الثاني:
مذهب «كانت»، وهو أن الضمير وإن كان قوة فطرية لا كسبية، إلا أن هذه القوة عقلية لا حاسية، فهو يراه قوة فطرية عقلية وجدت كاملة في الإنسان.
وتفصيل الأمر أن هذا الفيلسوف جعل العقل الإنساني قسمين: العقل النظري والعقل العملي، والأول خاص بإدراك العالم المحس، ويعتمد في معرفته على الحس والتجارب، وهو لذلك لا يصلح أن يكون أساسا للأخلاق لأن وسائل إدراكه وهي الحواس والتجارب كثيرا ما تضل وتكون خاطئة، وكذلك يعتمد في حكمه على مقدمات غير مأمونة الصحة دائما. أما العقل العملي، وهو ما نسميه الضمير، فلا يستند في معرفته لحقائق الأشياء إلى وسائل قد تخطئ كما قد تصيب، بل هو قوة باطنة فطر عليها المرء وإن كان من الممكن تعليل أوامرها نظريا، وقد وجدت كامنة منذ الأزل وإلى الأبد، بعيدة عن التجربة والكسب ولا تتصل بالمحسوسات المادية، إنما هي شعاع من نور هبط من القوة العليا المطلقة غير المحدودة إلى النفس الإنسانية، وهو هاديها سواء السبيل، ومبين لها طريقي الخير والشر، كما أنه القاضي المعصوم، والحكم الذي لا يعتور أحكامه الضلال.
16
ولهذا الذي يراه «كانت»، وهو أن الضمير شعاع من القوة العليا، كان التسليم بوجود الله وخلود الروح عنده من مسلمات علم الأخلاق، كما كان صوته أمرا مطلقا غير متعلق بشرط أو متوقفا على فرض من الفروض.
ذلك أن كل أمر يصدر للإرادة يكون مقيدا إن كان مرتبطا بشرط أو فرض، وبعبارة أخرى: إن لجأنا في الحث على تنفيذه إلى العاطفة أو المنفعة كما إذا قلنا: «إذا كنت تحب الاحتفاظ بسمعتك الطيبة بين الناس، إذا أردت أن تنجح في تجارتك، إذا كنت تحب أن تكون ظريفا محبوبا؛ لا تكذب مطلقا وعامل الناس بالحسنى»؛ إذ معنى هذا أننا وضعنا الصدق ومعاملة الغير بالحسنى في كفة، ونتائجها الطيبة في كفة أخرى، وأغرينا المرء بهاتين الفضيلتين بلفت نظره إلى ما يناله من خير ومنفعة إن عمل بهما.
أما الواجب، وهو صوت الضمير، فلا يعرف هذا اللف والدوران، ولا يلجأ لتلك الوسائل الملتوية لغرض خلق من الأخلاق الحميدة، بل يقول في وضوح لا لبس فيه، وصراحة لا غموض معها: «لا تكذب مطلقا، وعامل الناس بالحسنى، وإن لم تفد من ذلك لنفسك، بل وإن جاءك الضرر من هذا السبيل.» هذا الأمر هو ما يسمى أمرا مطلقا، وما يأمرنا في كثير من الحالات بالتضحية بعواطفنا ومنافعنا الخاصة، وهو لهذا أساس الخلقية الكاملة عنده.
17
ولكن مع دقة «كانت» فيما ذهب إليه، من أن للعقل نظرا عمليا يدرك الحقائق الأدبية للأشياء، ويبين الخير من الشر والصواب من الخطأ من الأعمال، يقابل نظره الفكري أو العلمي الذي يستند للحواس في تفهم المعقولات؛ نقول مع هذا نحن لا نسلم معه أن الضمير وجد تاما كاملا لدى الجميع على السواء، فلئن كان شعاعا من نور كما يقول فلم يكن بمثابة واحدة من القوة في كل الأزمان، كما أنه من المسلم به أن حكمنا الأخلاقي على بعض الأفعال يختلف اختلافا كبيرا عن حكم آبائنا الأولين، وما ذاك إلا ثمرة التجربة والتربية.
الثالث: «مذهب الكسبيين»: يرى هؤلاء أن الضمير ليس قوة فطرية حسية أو عقلية، بل هو قوة من الشعور الكسبي استفادها المرء بالتدريج، وهو لذلك يختلف تبعا للمؤثرات ويتفاوت باختلاف الأمم والبيئات.
يقول أصحاب هذا المذهب في إيضاحه، ومنهم ستيوارت مل
Stuart Mill : إن المرء نشأ عادة في جماعة لها عرفها وتقاليدها وأنظمتها، التي تبيح أعمالا وتثيب عليها وتحرم أخرى وتحدد لها عقابا، فكان الناس يألفون الخير ويفعلونه، ويكرهون الشر ويزدرونه رغبا ورهبا، ثم نما هذا الشعور بوازع الشرائع الوضعية والسماوية، وتطاول الزمن فنسي الناس أو تناسوا الأسباب الأولى الحقيقية لحب الخير والميل إليه وبغض الشر والبعد عنه، وزعموا أنهم يفعلون الأول بدافع نفسي باطني كما ينأون عن الثاني بدافع نفسي باطني أيضا، وهذا ما سمي بعد بالضمير.