اختلف الفلاسفة بادئ الأمر في: هل الضمير قوة فطرية أو كسبية؟ فكان لكل نظرية شيعة وأنصار، وانطوى تحت كل من هاتين النظريتين مذاهب مختلفة، أشهرها مذاهب الحاسة الأخلاقية أو «المدرسة الأسكتلندية»، ومذهب «عمانويل كانت»، ومذهب الكسبيين أو «المدرسة الإنجليزية.»
12
الأول: «مذهب الحاسة الأخلاقية»: يقول زعماء هذا المذهب إن الضمير قوة فطرية غرزية، «موضوعها أو متعلقها الخير والشر، كما أن المحسات متعلق الحواس الخمس الأخرى»، وهي لا تستند إلى شيء من الكسب والتربية، ولا ترجع في أحكامها إلى الدربة والتجربة، وإنها لدى جميع الناس وإن اختلفت قوة وضعفا، فكما منح الإنسان حاسة البصر والسمع لتمييز أنواع المرئيات والمسموعات كذلك منحه الله حاسة أخلاقية فطرية تميز بين الخير والشر والمباح والحرام، وتلازمها قوة تدفع لعمل ما تراه حسنا وترك ما تراه قبيحا. وليس الغرض من هذه أنها حاسة عضوية كسائر الحواس، بل القصد أنها قوة نفسية بها يدرك المرء الخير والشر ويحكم على الأعمال، أما الحواس الأخرى فعملها التأثر بالأشياء المحسة، والحكم عليها من وظيفة العقل وعمله.
ومن أشهر الذاهبين هذا المذهب اثنان من الفلاسفة الإنجليز، وهما شافتسبري
Shaftesbury ،
13
وهتشسون
Hutchesons ،
14
وللأول منهما في إيضاح هذا المذهب كلام طويل؛ إذ يقول:
إذا سألني سائل وقال: لماذا يجب عليك أن تبتعد عن القذارة إذا كنت منفردا؟ فأول ما يتبادر إلي أن هذا السائل رجل قذر، وأنه من الصعب أن أدخل في ذهن مثل ذهنه الوسخ حقيقة النظافة، ومع ذلك إذا أغضيت عن هذه الصعوبة أمكنني أن أجيبه بأن السبب في ذلك أن لي أنفا يشم. فإذا تثاقل وقال: فإذا كنت مزكوما أو فاقدا حاسة الشم مثلا، فلماذا؟ أجبته بأني أبغض أن أرى نفسي قذرا كما أبغض أن يراني الناس كذلك. فإن ألح وقال: فإن كنت في حجرة مظلمة لا ترى شيئا، فلماذا؟ أجبته بأني حتى في هذه الحالة، وليس لي أنف يشم ولا عين تبصر، لا يزال إحساسي كما كان يألم من القذر، ونفسي الإنسانية تشمئز من الدنس، ولو لم أكن كذلك لانحططت عن درجة الإنسان ولأبغضت نفسي لأنها نفس حيوان، ولما أمكنني أن أحترم تلك النفس التي لا تعرف قيمتها ولا ما يليق بها. كذلك سمعت الناس يتساءلون: لماذا ينبغي أن يكون الإنسان شريف النفس، محبا للفضيلة في الخفاء؟ وهو سؤال لا أريد أن أصرح باعتقادي فيمن يسأله.
وإذن فمرد القول بالحاسة الأخلاقية إلى أن الإنسان مفطور بطبيعته على معرفة الخير ويحس بقوة تلزمه باتباعه.
ومن أجل ذلك كان هتشسون يعلم أنه لا حاجة في معرفة الخير والشر إلى فكر ونظر، فإنه بهذه الحاسة نعرفهما سريعا، هذه الحاسة التي لا يظفر باحترامها وتقديرها إلا الأعمال الخيرة، وإذن فليكن مرجعنا في أعمالنا هذه العاطفة أو الحاسة الأخلاقية، وليكن هديها قاعدتنا، ومن رحمة الله أنها فطرية فينا، وأن كلا منا يشعر بها تهديه سواء السبيل، وتعطفه لعمل الخير له ولأمثاله، وتكسبه سرورا ولذة لا يقدر قدرها.
15
لكن هذا المذهب برغم ما له من ظاهر مقبول بادئ الأمر، لا يصبر على النقد الصحيح. حقيقة إن المرء يحس من نفسه بارتياح واطمئنان لبعض الأعمال، وبنفور واشمئزاز من بعضها الآخر، وإن هذا الإحساس فطري فيه لا يحتاج لتفكير وروية، لكن اعتبار الضمير حاسة كسائر الحواس الأخرى، تسير في عملها على ما عرفناه آنفا، مردود بأن جعل الضمير حاسة يجعل أحكامه غير صائبة دائما، مثله في ذلك مثل سائر الحواس التي تضل كثيرا، وإذن يكون الواجب التحقق فيما يأمر به الضمير وعدم الاندفاع وراء كل ما يريد.
وأيضا هذه القوة تختلف اختلافا كبيرا في الحكم على الأعمال عند الناس بشهادة الواقع، حتى إن الأمر الواحد يكون خيرا عند فريق من الناس وشرا عند آخرين، في الزمن الواحد بالنسبة لاختلاف البيئات أو في الأمة الواحدة باختلاف الأزمان، وهذا ينافي ما يزعمونه من أنه لا دخل للتجربة أو التربية فيها. وأخيرا كيف يفسرون لنا رضاء الضمير العربي في جاهليته عن وأد الأولاد وعده خيرا، ثم حسبانه بعد الإسلام من أقبح الجرائم وأشدها نكرا، أليس ذلك أثر التربية؟