تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لكني، وقد هممت بتلبية نداء العاطفة، أسمع في أعماق النفس صوتا قويا يثبطني عن إضاعة الوقت باللهو الفارغ، ويذكرني بواجب إسعاف هذا الجار المسكين الذي أنا أقدر على خدمته من غيري، حتى إذا أطعته أحسست بطمأنينة في القلب، وبارتياح في النفس، وبغبطة داخلية تعوض على ما فاتني من الاستمتاع بالرواية التي كنت أشتهي مشاهدتها في إحدى دور السينما أو التمثيل. (4-2) تعريف الضمير

هذه القوة التي أمر الرسول السائل عن البر باستفتائها وسماها القلب، والتي تميز الخير من الشر، وتأمر بالأول وتثيب عليه بالارتياح والطمأنينة، وتنهى عن الثاني وتعاقب بالتأنيب والندم، والتي دعاها الغزالي مرة نورا إلهيا وتارة معرفة، ووصفها مسكويه بأنها قبس من النور الإلهي؛ هذه القوة هي ما يسمى في عرف الأخلاقيين المحدثين ب «الضمير».

ويرى بعض من كتب في الأخلاق أن الضمير مرادف للوجدان، وأنهما ترجمة كلمة

La conscience

الفرنسية. ويرى آخرون أن الوجدان هو تعرف النفس حالاتها، وشعورها باللذة والألم اللذين يعقبان الأفعال، أما الضمير فهو القوة التي عرفنا الكثير من خصائصها ومنها الحكم بأن هذا العمل الذي أتاه المرء خير فيلتذ لذلك ويسر، أو شر فيتألم ويندم، وإذن فالفرق بينهما هو أن التلذذ والتألم من ذاتية الوجدان، بينما هما من لوازم الضمير وآثاره.

على أن الحق في رأيي هو أن بين الوجدان والضمير فرقا كبيرا؛ الأول هو - كما قلنا - مشاهدة النفس لما يجري فيها وتعرفها حالاتها وإحساسها بما يكون من لذة وألم، أما الضمير فهو، بعد ذلك كله، يقدر الفعل ويحكم عليه بقياسه بما يرى من مثل أعلى، على ما سيجيء بيانه.

هذا، وقد جاء لفظ «القلب» في معنى قريب من الوجدان إن لم يكنه، كما جاء بمعنى العقل أو الضمير؛ من الأول قوله تعالى:

وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة ، وقوله:

قلوب يومئذ واجفة ، وقوله:

سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب . ومن الاستعمال بالمعنى الثاني قوله تعالى:

لهم قلوب لا يفقهون بها ، وقوله:

فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور . ومثل هذا وذاك كثير. (4-3) الدور الذي يقوم به

مما تقدم يتبين أن الضمير يلعب دورا هاما في حياتنا، فهو ناصح حكيم، وقاض عادل، ومنفذ أمين، ينصح أول الأمر بالخير ويحث عليه، وبالبعد عن الشر ويثبط عنه، وبعد الفعل يحكم لنا بالخيرية والفضيلة، أو علينا بالشرية والرذيلة، وينفذ أخيرا المثوبة ممثلة في ارتياح النفس وطمأنينتها، أو العقوبة بالتأنيب المر الذي يحز في القلب حزا، ويسلم للندم والتوبة.

وهذا الدور الهام هو ما أنطق جان جاك روسو

7

بهذه المقطوعة من الشعر المنثور في وصفه، وكان يعتقد أنه قوة من نور الله تعالى:

أيها الضمير، أيتها القوة الفطرية الخالدة، أيها الصوت السماوي، أيها القائد الأمين للإنسان الجاهل المحدود، وإن كان ذكيا حرا في إرادته، أيها القاضي الذي لا يضل في تمييز الخير من الشر، والذي جعل الإنسان شبيها بالله! إنه أنت الذي يكون أشرف جزء في طبيعته، وإنك الفضيلة في أعماله، بدونك لا أشعر بما يرفعني عن الحيوان ما عدا الميزة التي تجعلني أضل في ميدان الأخطاء، وهي أداة الفهم التي لا قاعدة لها، والعقل بدون مبادئ يسير عليها.

8 (4-4) مظاهر الضمير

يحس المرء بعد العمل عواطف مختلفة غير مغرضة، وهي ما تسمى مظاهر الضمير: (1)

من هذه العواطف «عاطفة السرور الأخلاقي»، التي تسمى أيضا «عاطفة الرضاء بالواجب المؤدى»، مثلا، ها أنا ذا أحس حاجة ماسة للاستجمام بعد يوم قضيته في عمل متواصل، فأعزم على الذهاب للاستمتاع بجلسة ممتعة مع جماعة من الأصدقاء، أو بمشاهدة قصة تمثيلية، ولكن جاري يلتمس مساعدتي في أمر له وقد وعدته بها وهذا حينها، ومجلة الأزهر تقتضيني مقالها الشهري، فإذا أعرضت عن داعي العاطفة واستمعت إلى نداء الواجب، أحس سرورا داخليا يعوض علي ما فاتني من الراحة المنشودة؛ لأن عمل الخير - كما يقول فيكتور هيجو

مباحث في فلسفة الأخلاق · الصفحة ٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مباحث في فلسفة الأخلاقص ٣٩