تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

5

غير أن سقراط وإن أصاب في أن أساس المعرفة الفضيلة فلا يكون المرء فاضلا حتى يقصد الخير ويأتيه وهو عالم به، قد أخطأ في زعمه أن معرفة الخير تبعث على عمله، ومعرفة الشر تباعد بين المرء وبينه لا محالة.

ويكفي لرد هذا الرأي أن نسوق بعض ما ذكره العلامة «سانتهلير» في هذا المعنى حين يقول في مقدمة لترجمة كتاب الأخلاق لأرسطو:

ليس ما يقع الإنسان فيه من الإثم ناشئا عن خطأ في الموازنة بين اللذة الحاضرة والآلام المستقبلة التي هي أكبر منها كما يعتقد سقراط، ولا ناشئا عن جهل بطبائع الأشياء، إنما منشؤه فساد في الخلق يحمل الإنسان على تفضيل الشر على الخير وهو عالم بهما وبكليهما جميعا، فإن الشرير لا يجهل البتة ما يفعل من سوء، بل هو على الضد من ذلك يعجب من نفسه فيما هو سادر فيه من الرذيلة ... لأنه إذا كان يجهل ما يفعل فليس بمجرم ولا مسئول أمام الناس ولا أمام الله، وحينئذ بهذه المثابة لا تكون الفضيلة والعلم متماثلين، فقد يعلم الإنسان ولا يعمل، وقد يعمل ضد ما يعلم ... إذا كانت الفضيلة في الواقع هي العلم، وجب على الإنسان أن يقتصر على أن يعلم ليكون فاضلا، وبذلك تتضاءل الحياة الأخلاقية إلى مجرد النظر والتأمل.

6

والخلاصة، بعد ما تقدم من بسط كل مذهب ونقده، أننا لا نعدو الصواب إذا قلنا: إن الباعث هو «الغاية التي تتفق مع العالم الذي تظهر فيه.» هذه الغاية قد تكون لذة أو عاطفة وجدانية أخرى، كالكره والحقد اللذين يبعثان على كثير من الأعمال، كما قد تكون أمرا عقليا يتناسب مع العالم الذي نعيش فيه، كالوصول لقوانين عقلية في المنطق والرياضيات مثلا. (4) الضمير

تعريفه، الدور الذي يقوم به، مظاهره، ماهيته، إمكان تربيته، درجاته (4-1) تمهيد

عن وابصة بن معبد - رضي الله عنه - أنه قال: أتيت رسول الله

صلى الله عليه وسلم

فقال: «جئت تسأل عن البر؟ قلت: نعم، قال: البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك.»

وجاء في كلام الغزالي، في كتاب الإحياء في باب المحاسبة والمراقبة:

للمراقب في عمله نظران: نظر قبل العمل، ونظر في العمل، أما قبل العمل فلينظر أن همته وحركته: أهي لله خالصة، أم لهوى النفس ومتابعة السلطان؟ فيتوقف فيه ويتثبت حتى ينكشف له ذلك بنور الحق؛ فإن كان لله تعالى أمضاه، وإن كان لغير الله استحيا من الله وانكشف عنه. وأما النظر الثاني للمراقب عند الشروع في العمل، فذلك بتفقد كيفية العمل ليقضي حق الله فيه، ويحسن النية في إتمامه، ويتعاطاه على أكمل ما يمكنه.

ثم تكلم بعد ذلك في بيان محاسبة النفس بعد العمل، فقال:

ينبغي أن يكون للمرء آخر النهار ساعة يطالب فيها النفس ويحاسبها على جميع حركاتها وسكناتها، كما يفعل التجار في الدنيا مع الشركاء في آخر كل سنة أو شهر أو يوم؛ حرصا منهم على الدنيا.

وأخيرا أشار في هذا الباب في مواضع كثيرة إلى قوة جعلها مرة «نورا إلهيا»، وأخرى «معرفة»، مقررا أنها تهدي المرء وتقوده في أعماله.

كما رأينا مسكويه، حين تكلم عن النفس وقواها الثلاث، في كتابه «تهذيب الأخلاق»، ذكر أن منها القوة الباطنة أو العاقلة، ووصفها بأنها قبس من النور قذف به الخالق إلى النفس البشرية ليكون لها هاديا ومرشدا، وصرح بأن أصل هذه القوة هو الميل للخير والنفور من الشر.

ونحن إذا رجع الواحد منا لنفسه عند إتيان عمل من الأعمال وجد أن في قرارتها قوة تأمره بالخير وتشجعه عليه، وتحذره من الشر وتثبطه عنه، وأنه إذا عمل بوحيها أحس ارتياحا وطمأنينة وغبطة؛ لأنه عرف لنفسه كرامتها، وإن عصاها أحس بألم وتأنيب ينال منه أشد منال، وبندم يدعوه للتوبة والإنابة.

مثلا: ها أنا ذا الآن متردد بين قضاء هذه الأمسية في الترويح عن نفسي والتسرية عنها ببعض الملهيات البريئة بعد ما بذلته من المجهود الشاق في الصباح، وبين إتمام المقال الذي تنتظره مجلة الأزهر، وبين الذهاب لأداء خدمة لآخر هو جد محتاج إليها؛ العاطفة تشير بالاستجمام وقضاء هذه الأمسية في هذا الملهى أو ذاك، ولا علي إن انتظرت المجلة عبثا ولهذا البائس المحتاج لمساعدتي رب قد يرسل له من يقوم بخدمته على الوجه الذي يريد.

مباحث في فلسفة الأخلاق · الصفحة ٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مباحث في فلسفة الأخلاقص ٣٨