تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صورة تحريرية

مجاهد ... ما

(إذا تصادف والتقيت به في أرض الجهاد .. في أي مكان سوف تجد صعوبة أن تمسك نفسك من الضحك .. حتى في أدق اللحظات وأخطرها) المكان قرية المهاجرين ((بابي)) حيث يعيش الآف من المهاجرين الأفغان بالقرب من مدينة بيشاور .. وهي مقر الشيخ سياف

وفي دار الضيافة .. حيث تستقبل الضيوف من الزوار والمتطوعين من جميع أنحاء العالم .. متطوعين عرب .. يحضرون لقضاء ليلة أو ليلتين أو عدة ليال .. ويذهبون للتدريب أو إلى جبهات القتال ..

بعد الصلاة جلست بجواره. وبدأت أجذب خيوط الحوار .. اكتشفت إنني عندما أسأل يسكت .. وإذا سكتُّ .. يبدأ وحده في الكلام ((أنا من السعودية .. من مدينة اسمها سكاكه في شمال السعودية طبعاً أنا أعرف أنك تريد أن تكتب عني .. لا يوجد ما أقوله لك .. ولن تنجح في عمل أي حوار معي .. أنا مجاهد فقط .. لا أحب الكلام لا عن نفسي ولا عن غيري .. أطمئنك .. لن تستطيع أن تستدرجني للحديث أبداً .. مرت عدة ساعات .. وتناولنا طعام العشاء على الطريقة الأفغانية .. وقدموا لنا في كرم بالغ ((شاي)) .. كنت أطارده دون كلام .. وبعد أن هدأت دار الضيافة من الحركة بدأ الحديث: ((المسألة أساساً مسألة عقيدة .. لقد درست الدين ككل الناس في سنوات الدراسة .. ولكن هناك شيئاً كان يجذبني بشدة .. وهو موضوع الجهاد .. أحببت الجهاد منذ بداية حياتي .. ولكن أين الطريق وكيف؟

هل تصدق ... . لم أجد أمامي إلا طريق ((الديسكو)) ا

لا تضحك من فضلك .. كنت راقصاً ماهراً .. كنت أقضي شهور الصيف في لبنان .. وأفوز بكل مسابقات الرقص ... كنت من عشاق الأغاني الأجنبية .. كنت أحضر حفلات الرقص في لبنان .. ومصر وسوريا .. أقول الحق .. كنت أحياناً أجلس وحدي بعد حفلات الرقص .. وأبكي ... . نعم أجلس وأبكي ... .. أبكي وحدي على أنغام الموسيقى ... لا تضحك .. حياك الله

كنت أعرف أن ما أفعله على خشبة الديسكو حرام .. كنت أحيا حياة تافهة .. لا أفكر إلا في اللهو ... . وأقضي وقتي مع الأصدقاء في أشياء لا معنى لها ... . رحلات إلى الخارج ... . سهرات. .. فراغ في فراغ وبدأت أسمع هنا وهناك عن الجهاد في أفغانستان .. ولم أفكر في الأمر كثيراً ..

فجأة حدث تحول خطير في حياتي ... . لن أتحدث عن هذا التحول طويلاً ... .. لقد ماتت أمي .. وشقيقتان من شقيقاتي في حادث سيارة مروع بالقرب من المدينة المنورة .. كنت معهم بالسيارة ... .. ولكنني نجوت .. استيقظت ذات صباح والرغبة في الخروج إلى الجهاد تسيطر عليّ ... . صليت صلاة استخارة وتكلمت مع أبي بخصوص السفر للجهاد في أفغانستان ... . فوافق بعد إلحاح شديد مني ... . وكنت أعرف مدى تعلقه بي ... . وأنه سوف يعاني في غيابي ... .. من سيشرف على تجارته الواسعة؟

من سيحاسب الموظفين؟

من سيجمع الأرباح؟

كانت فرحتي كبيرة بموافقة أبي على السفر ... . وشعرت أن الله سوف ييسر لي الأمر ..

ذات يوم عزمت على السفر فجمعت مدخراتي واشتريت تذكرة طائرة إلى باكستان لأنضم إلى الجهاد الأفغاني، استأذنت إبي قبل سفري ... . فأذن لي وودعني بحرارة شديدة

حضرت إلى إسلام آباد وركبت ((تاكسي)) من المطار وقلت له أريد أن أذهب إلى المجاهدين ... أوصلني سائق السيارة إلى مكتب الاتحاد الإسلامي الذي يرأسه سياف ... . وفي مكتب حزب الاتحاد استقبلوني استقبالاً طيباً وأرسلوني إلى قرية ((بابي)) قرب بيشاور .. وبعد عدة أيام ذهبت إلى معسكرات التدريب

لم أكن قد شاهدت سلاحاً في حياتي أبداً ... .. الأسلحة التي شاهدتها كانت في أفلام السينما .. بدأت التدريب .. وفي البداية شعرت بصعوبة بالغة .. ولكن بعد أيام بدأت أتعود إلى أن أصبحت ماهراً في استخدام السلاح

بعد أن أتممت التدريب ذهبت إلى أحد المواقع في ولاية باكتيا .. وعشت في هذا الموقع مدة خمسة شهور .. وكان موقعاً صغيراً من مواقع المجاهدين وفي إحدى المعارك سقط هذا الموقع في أيدي القوات الروسية بعد معركة خاسرة .. لقد اندس بين صفوف المجاهدين بعض المنافقين .. واستطاعوا أن يساعدوا القوات الروسية والأفغانية في اقتحام الموقع ... ولكن قوات المجاهدين استردت الموقع مرة ثانية بعد أيام قليلة من سقوطه

عندما عدت إلى بيشاور وجدت برقية من السعودية في انتظاري تطلب حضوري بسرعة لأن أبي مريض جداً ..

عدت إلى السعودية وكانت البرقية غير صحيحة .. لقد أرسلها أبي لمجرد عودتي إلى أهلي. مكثت وسط أهلي حوالي ستة شهور .. كان جسمي وسط الناس وروحي هناك مع المجاهدين على جبال أفغانستان

كان شعوري شعور طفل تائه ويبحث عن أمه ..

كنت أشعر بأن الناس يسيرون إلى سراب .. لم تعد للدنيا أي أهمية عندي .. لم تعد تساوي أي شئ .. لا أموال ولا تجارة .. لا نساء .. لا مستقبل ... تحولت جلسات الاستماع للأغاني الراقصة إلى جلسات دعوة للجهاد أقنعني أبي بالزواج .. واختار لي عروس جميلة جداً ..

وبعد إلحاح منه وافقت وأعد لي حفل زواج مثل حفلات ألف ليلة وليلة وتم زفافي .. وبعد شهر ونصف من زفافي صارحت زوجتي .. (شهر العسل الحقيقي في أفغانستان) .. وأخبرتها بأني لا أستطيع أن أبقى وهناك جهاد مستمر في جبال أفغانستان ..

انضممت إلى جبهة قندهار .. ومكثت بها خمسة شهور كاملة واشتركت في عمليات هجومية عديدة أرسلت إلى زوجتي رسالة أخبرها بفضل الجهاد عليّ .. ودعوتها لأن تحضر معي في زيارة قادمة لتتعرف على أحوال المجاهدين الصابرين .. وطلبت منها الصبر والدعاء لي ..

الآن .. أمضيت بالجهاد حوالي عامين ... .. وسوف أظل إلى أن أرى النصر أو استشهد ..

ذهبت إلى قندهار ... قندهار كما تعرف بها معارك شديدة لا تتوقف، لقد هدمت معظم المدينة أمضيت في قندهار حوالي ستة شهور .. وهناك اشتركت في عمليات عديدة .. هاجمنا فيها مراكز الشيوعيين

_ بالطبع تريد أن تعرف قصة عملية من العمليات ..

كنا نعيش في مراكز متفرقة داخل القرى المهجورة .. بالقرب من المدينة ونتيجة للقصف الجوي الروسي هاجر معظم أهالي القرى .. هناك عدد قليل من القرى لا يزال سكانها موجودين بها

المناطق المحيطة بقندهار مناطق زراعية ... وبها أنهار ووديان .. وحقول ... في أحد الأيام بدأنا الاستعداد للقيام بعملية .. وهي الهجوم على موقع روسي

بدأنا نستعد من الصباح .. إعداد الذخيرة .. تنظيف الأسلحة .. اختبارها .. بالطبع هناك استطلاع للمجاهدين .. هم الذين حددوا ميعاد العملية .. وكيفية الوصول

تحركنا من مراكزنا عند الظهر تقريباً ... وسرنا على الأقدام مستترين بالأشجار، كنا نسير وسط الحقول ونسمع نهيق الحمير من بعيد .. وصهيل الخيول .. عند الغروب ... توقفنا وجلسنا مكاننا تحت الأشجار ... كان العدو قريب منا جداً .. ظللنا مختبئين تحت الأشجار إلى أن هبط الظلام .. سمعنا صوت ديك يؤذن .. هنا اطمئنت قلوبنا ..

عندما سمعنا صوت الديك أمر الأمير بالاستعداد للهجوم .. وبدأ يتقدم ونحن نسير خلفة .. وكان أمامنا دليل يعرف الطريق .. كنا قد أصبحنا على مسافة قريبة جداً لدرجة أننا كنا نسمع صوت الحراس وهم يتكلمون .. وصوت اللاسلكي .. أصبحنا على مسافة أمتار من المبنى .. وكنا نقرأ ﴿وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فأغشيناهم فهم لا يبصرون﴾ .. صدق الله العظيم .. وكذلك بدأنا نقصف المبنى الذي به قوات روسية. كان القصف بالقواذف آر. بي. جي. دمرنا المبنى وملحقاته .. وبالطبع فوجئ بنا العدو .. وبعد زوال المفاجأة بدأ يرد علينا

بدأنا في الانسحاب بعد تمام المهمة .. كانت درجة الحرارة أقل من 15 درجة مئوية تحت الصفر .. بدأنا ننسحب مسرعين فقد ازداد قصف العدو ومن المنتظر وصول قوات نجدة من مواقع أخرى .. وأنا أجري بعيداً والقذائف تنهال حولي سقطت في نهر صغير .. وبمجرد سقوطي في الماء سقطت خلفي مباشرة دانة هاون .. سقط في الماء خلفي عشرة مجاهدين لم أتعرف عليهم في الظلام .. عبرت النهر وحدي .. ولم أكن أعرف طريقي في الظلام ... خشيت أن يمسكونني أسيراً .. استمر إطلاق النيران وأنا منبطح على الأرض .. وجسمي مبتل بالماء .. ولا أعرف أين أنا؟ ولا أين سأذهب؟ فقد تفرقت مجموعة المجاهدين .. قمت مرة أخرى وبدأت أجري والقصف حولي في غاية العنف ... كنت أجري وأنبطح ... وهكذا .. سمعت فجأة من وسط الظلام نداء ((الله أكبر)) .. اتجهت إلى الصوت .. فوجدتهم زملاء أفغان ...

كان حذائي يصدر صوتاً أثناء السير لأنه ممتلئ بالماء .. ((لا تضحك حياك الله)) .. لهذا أمرني الأمير بأن أخلع حذائي وألقيته بعيداً .. وإلا فإن الروس سيكتشفون مكاننا بسبب هذا الحذاء اللعين .. لهذا عدت من العملية ((حافياً)) .. ((لاتضحك .. )) أرسلوا بعض المجاهدين لإحضار الجرحى .. من قذيفة الهاون تلك التي سقطت خلفي مباشرة على حافة النهر .. أصيب ستة مجاهدين واستشهد أربعة .. كيف نجوت .. الله يعلم.؟

كان الأمير مصاباً في ساقه .. ورغم المجهود الكبير أثناء العودة فإنه لم يتألم على الإطلاق .. وسار معنا في طريق العودة وساقه تنزف .. كان معنا أيضاً في هذه العملية ... شاب أفغاني أصيب بالهستيريا ... كان يتصرف تصرفات غير طبيعية .. وكان يؤدي خدمات للمجاهدين في المعارك .. سبب الهستيريا .. أنه ذهب إلى أسرته بالقرية ... وعندما دخل منزله .. وجد أمه ممزقة بالسكين .. أما إخوته الصغار فمقتولين سحقاً بالأحذية .. وخنقاً أما أخواته البنات البالغات سن الرشد لم يجدهن .. ولكنهن وُجِدْن بعد عدة شهور حوامل .. ومقتولات .. وجثثهن ملقاة في أحد الأنهر ..

عدنا إلى المركز .. وبدأنا نستعد لعملية أخرى

مأسدة الأنصار العرب بأفغانستان · الصفحة ٢٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مأسدة الأنصار العرب بأفغانستانص ٢٤