تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولما استقر الرأي على استعادة السودان صدر الأمر بذلك، حتى يكون للإنجليز السبق على الحملة الفرنسية في الاستيلاء عليه، وهاك ما قد تم على أيدينا: (1)

فنحن الذين قدمنا ثلثي القوة المحاربة. (2)

ونحن الذين أنشأنا السكة الحديدية بأيدي جنودنا، ولم يكن ليتم أي فتح بدون هذه السكة التي لم يضع جندي بريطاني واحد يده على الإطلاق في تشييدها. (3)

ونحن الذين قمنا بأكثر من ثلثي النفقات، وهذا غير ما دفعناه من جميع مقادير العجز؛ كي تتوازن الميزانيات السودانية. (4)

ونحن الذين شيدنا بمالنا ورجالنا جميع المباني الفاخرة التي ترى اليوم في الخرطوم. (5)

ونحن الذين قدمنا كذلك في أوائل عهد استعادة السودان جميع الموظفين لتنظيم الإدارة في البلاد. (6)

وقد كانت جنودنا تمشي على الأقدام الطريق بأكمله إلى الخرطوم، بينما كانت الجنود البريطانية تنتقل كل مرة بلا استثناء من ميدان إلى ميدان إما بالسكة الحديدية أو بالبواخر النيلية. وحاشا أن نذكر ذلك بقصد التنديد بمقدرة الجندي البريطاني أو الاستخفاف بصفاته الحربية؛ إذ إن الجندي البريطاني - فيما نرى - من أحسن الجنود في العالم من حيث القوة على الثبات والبسالة في ساحة الحرب. وكل ما نقصد هو أن نبين أن جنودنا قاست من المكاره أكثر مما تحملته الجنود البريطانية، وأن بلادنا من أجل ذلك كانت تستحق نصيبا أوفر في البلاد التي اكتسبت بحق الفتح المشهور. (7)

ولم تكن غلطاتنا هي التي أوقعتنا في جميع هذه المحن، وإنما هي إنجلترا التي كانت سببا فيها؛ لأنها اضطرتنا أن نقبل ضباطها وأن نسير على الخطط التي رسموها، ثم بعد ذلك كله أخرجتنا بقضنا وقضيضنا من البلاد كأنه ليس لنا أي حق فيها مطلقا أو أي امتياز بالكلية. وحين تم لها ما أرادت حولت السودان إلى مستعمرة بريطانية. وإذن فلماذا كنا نبذل هذا المال كله وهذه المجهودات جميعها وتلك الأرواح لاستعادة البلاد إذا كانت هذه هي النتيجة التي كنا ننتظرها من وراء ذلك كله. أكان هذا منا لكي نوفر على إنجلترا جميع هذه الأمور؛ ولكي تنتفع بها على حسابنا؟

على أنها لو كانت استعادت السودان لحسابها هي وحدها، وبوسائل من عندها لما كانت الحالة لدينا غير ما هي عليه اليوم، ولما كانت شرا من هذه الحالة؛ إذ إنها ما دامت محتلة لمصر فلا يمكن أن تحاول على الإطلاق قطع موارد مياهنا عنا. والتفسير الوحيد لهذه الحالة والترضية المزعومة التي تقدمها لنا هي أن كل هذا تم في سبيل تأمين حدودنا الجنوبية وموارد مياهنا!

ولكن المصريين لا يمكنهم أن يقبلوا أي ضمان لسلامة حدودهم الجنوبية من أية دولة أجنبية أيا كانت هذه الدولة. وفي الحق أن هذه السلامة كانت أضمن في أيدي الدراويش؛ لأنهم لم يكن في استطاعتهم تشييد الأعمال التي تؤذينا في موارد مياهنا. وإذا كان المقصود هو إقصاء أية دولة أخرى فسيان عندنا أكانت هذه الدولة إنجلترا أم فرنسا أم غيرهما من الدول؛ لأن الدولة التي تكون لها السيادة في السودان تتحكم في حياة مصر؛ ولهذا فإن في تشبث إنجلترا بالسودان ورغبتها في امتلاكه دليلا على أنها تريد أن تسيطر على حياة مصر، وأن تبقي مصر في قبضة يدها وتحت سلطانها، وهو مسلك لا يمكن أن يعتبره أهل هذه البلاد إلا أنه عمل عدائي.

وكذلك تمسك إنجلترا بقناة السويس بحجة وقوعها في سلسلة مواصلاتها، مع أن لها طريقا آخر حول رأس الرجاء الصالح، وإذن فليست القناة أمرا حيويا صرفا بالنسبة لإنجلترا. أما نحن فأنى لنا الخيار، وليس لنا في هذا العالم كله سوى السودان والنيل، ومن ثم كانت حاجتنا إليهما من أعز الأمور الحيوية لنا أكثر من حاجة إنجلترا إلى قناة السويس. وهذا إذا تغاضينا عن الأمر الواقع وهو أن السودان كان جزءا متمما لبلادنا ومحتجا به كذلك من إنجلترا على الدول الأخرى، وأن واجب إنجلترا كان يقضي عليها بتطبيق المبدأ الذي ينطوي عليه هذا الاحتجاج على نفسها أيضا.

المسألة السودانية · الصفحة ٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المسألة السودانيةص ٢٤