Rev. Felkin
الذي يقرر في صفحة 324، ج1 من كتابه «أوغندة والسودان المصري
Uganda
and the Egyptian Sudan » ما يأتي:
مما يستوجب الأسف أن سلطة هذا الطاغية - أي كباريجا ملك أنيورو - لم يقض عليها كما كان سيحصل منذ مدة لو لم تقم تلك المعارضة الشديدة التي أثارها في إنجلترا أناس يتطلعون بعين الغيرة إلى توسع مصر في أملاكها، ولكن في استطاعتي أن أؤكد يقينا أن أهالي الجهات المحكومة من تلك البلاد بالسلطة المصرية - حيث يدير دفة الحكومة فيها الآن مدير مديرية خط الاستواء - هم أحسن حالا بكثير من أمثالهم المحكومين بملوك منهم من الهمج المستبدين غلاظ القلوب فظاظ الطباع. ا.ه.
هذه أقوال باحث نشرت في سنة 1878 قبل ثورة المهدي وقبل الاحتلال البريطاني لمصر، وهي دليل ناطق على أن حكمنا في السودان لم يكن مشوبا بالسيئات التي ينسبها إليه المغرضون.
ولقد رأيت إنجلترا بعد نكبة هكس باشا أن ترغمنا على ترك السودان، فلما الوزارة المصرية أن توافق على ذلك جابهتها الحكومة البريطانية بتصريح إرل جرانفيل الذي وضع فيه مبدأه المشهور، وهو أنه ما دام الاحتلال البريطاني بمصر فإن كل نصيحة - وهي بالفعل أمر - يجب الإصغاء إليها، وإلا فعلى من يخالفها من الموظفين أن لا يستمر في منصبه، وهكذا صارت مصر في الواقع بهذا التصريح تحت وصاية إنجلترا، أو أصبحت إنجلترا مسئولة عن كل ما حدث وما يحدث، ما دام الاحتلال البريطاني باقيا. وبناء عليه يقع على عاتقها تبعة تعيين هكس باشا وضياع السودان.
ولما كانت مديرية خط الاستواء ما زالت تقاوم بقيادة أمين باشا، وكانت بقعة مطموعا فيها أشد الطمع، أصبح من الأمور الهامة التعجيل بسحب أمين باشا من هناك؛ حتى تعد بعد رحيله عنها من الأراضي المهجورة التي ليس لها مالك. وبذلك تستطيع الحكومة البريطانية أن تستولي عليها، وتعتبرها من الممتلكات البريطانية وفاقا للشرط الذي وضعته بخصوص حالة كهذه في الاتفاقية الإنجليزية المصرية الموقعة في 19 يناير سنة 1899م.
ومن أجل ذلك جهزت حملة قرصانية بقيادة أفاق اسمه استانلي، وغرضها الظاهر خدمة الإنسانية بإنقاذ أمين باشا ورجاله، أما الغرض الخفي أو الحقيقي فكان إقصاء أمين باشا عن تلك الجهات؛ لأنه كان يمثل السلطة المصرية فيها، وإبقاء رجاله في تلك البقاع حتى تستخدمهم بريطانيا بعد ذلك في الاستيلاء لها على ذلك الإقليم. وقد حصل ذلك بالفعل فيما بعد. أما وزراؤنا في ذلك الوقت فقد تبرعوا بمبلغ كبير من نفقات هذه الحملة، وعاونوها بكل ما في استطاعتهم من قوة. وقد فعلوا كل هذا إما عن حماقة وإما عن شهوة قوية للبقاء في مناصبهم. وأخيرا نالت هذه الحملة مأربها وعادت ومعها أمين باشا دون رجاله. أما بريطانيا فقد جندت هؤلاء الرجال لخدمة مطامعها، وقد كان أن استولوا لها على تلك النواحي.
على أنه في مناسبات متعددة صرح السياسيون البريطانيون دائما بأن السودان جزء من مصر لا يتجزأ. وها هو سير إ. غراي يقول في الخطبة التي ألقاها في مجلس العموم بتاريخ 28 مارس سنة 1895 ما يأتي:
وهناك غير ذلك مسألة حقوق مصر، «فموقف إنجلترا أمام مصر موقف خاص، يشبه موقف أمين اؤتمن على وديعة، وهذا فيما يختص بحفظ مصالحها»، وهذه الحقوق لم نؤيدها نحن فقط، بل أيدتاها أخيرا حكومة فرنسا كذلك.
ونحن نقول: إن هذا يؤيد كل التأييد ما ورد في تصريح إرل جرانفيل الذي وضعت مصر بعده تحت وصاية إنجلترا.
ومما يستدعي الالتفات أيضا أن هذا القول يؤكد من جهة الحكومة البريطانية أكثر مما تؤكده الحكومة الفرنسية ما لمصر من حقوق وامتيازات معترف بها؛ فإن سير إ. غراي يعترف بأن «إنجلترا تقف إزاء مصر موقفا خاصا، هو موقف المؤتمن على وديعة»، ومعنى هذا بعبارة أخرى: أن مصر أمانة مقدسة أودعت في يد إنجلترا لحفظها وصونها، ويقضي شرف إنجلترا عليها أن تردها كاملة للمالك وهو مصر. ولا يصح أن إنجلترا تطالب فرنسا باسم مصر احترام هذه الحقوق لكي تغتصبها هي لنفسها، كما يفعل بالضبط الوصي الخائن الذي يسلب لنفسه مال القاصر الموضوع تحت وصايته. ولسنا نعتقد أن مسلكا كهذا يتفق مع كرامة دولة كبيرة وشرفها كدولة بريطانيا العظمى؛ إذ تتصرف هذا التصرف. وإننا على يقين أنه متى عرف الرأي العام البريطاني جميع هذه التفاصيل، فإنه يكون أول من يبرأ إلى الله من أفعال رجاله من أهل السياسة.