تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومولاي الباشا تعلم من غير حذق كيف يهتز في مشيته معجبا، وكيف يحيي أقرانه القدماء من أصحاب «الحضرة» بنوع من البسمات الحائرة التي توهمك أنها تهبط عليهم من الأفق الأعلى، وكيف أصبح يحيي زملاءه أصحاب «السعادة» بنوع من الابتسامات المترققة المتظرفة التي لا تطابق في صناعتها صناعة الله لوجهه القاتم وشفتيه الغليظتين!

أصبح لمولاي الباشا بطن، ولقد كان رفيقي الطفل لا بطن له، وأصبح صوت سعادته يتشعب عند خروجه، فبعضه يخرج من الأنف الشامخ، وبعضه يخرج من حلق مقبوض العضلات، وقد تسمع من صوته المتوزع بين نبرات الغرور، والادعاء، والتعاظم، رنات تشبه نغمة التؤدة والرزانة والوقار، كان مولاي يوهمك في تباطؤ أن كلماته ذهبية تتثاقل في تتابعها لما فيها من النفاسة والحكم ...

أين ذلك الصوت الماضي الذي لم يكن فيه تكلف ولا صناعة، وكان يخرج كأنه حديث القلب السليم؟ وأين تلك المشية الخفيفة التي حلت مكانها المشية المتثاقلة؟ وأين ذلك الاطمئنان والسكون الذي كان لعضلات رقبته ووجهه، فحل محله التقلص والتصعير؟ وأين ذلك الهندام البسيط، وقد حل محله نوع من الأناقة والتجمل، لا يتناسبان وسحنته البغيضة. •••

أشفق على مولاي الباشا أن تعتاد حنجرته وأرجله وعضلاته ونظراته ما لا يلائمها من الطبع، ويصبح مثله مثل الذي يدع صنعه الذي يليق به ويشاكله، ويطلب غيره فلا يدركه؛ ولذلك أعيد عليه ما قرأه وقرأناه في كتاب «كليلة ودمنة» في باب «الناسك والضيف» «زعموا أن غرابا رأى حجلة تدرج وتمشي، فأعجبته مشيتها، وطمع أن يتعلمها، فراض على ذلك نفسه، فلم يقدر على إحكامها، وأيس منها، وأراد أن يعود إلى مشيته التي كان عليها، فإذا هو قد اختلط، وتخلع في مشيته، وصار أقبح الطيور مشيا.» ... •••

مولاي: خفف عن نفسك غلواء شخصيتك الموهومة، وكن كما أراد الله أن تكون عليه مما يلتئم مع شكلك، ومما يتفق مع ما راضك عليه آباؤك وأجدادك، واعلم أن من لبس ثوبا ضافيا فقد يتعثر، ومن لا يحذر مخاطر التعالي فقد يتدهور.

| لعام 1926

الأحد في 3 من يناير سنة 1926

إيه يا عام، أقبل على الوجود كما أقبل عليه غيرك. فإنك قد تلقى في سماوات الصباح شموسا نيرة، وفي سماوات الليل نجوما متلألئة. وقد تجد كما وجد غيرك زهرة تتفتح عن أريج تنشره عطرا في الصبح إذا تنفس. وقد تجد كما وجد غيرك طائرا أنيقا يستقبل فجرك بالتغريد. وقد تجد عبدا من عباد الله ناسكا يحييك بدعوات وصلوات. وقد تجد نواة في جوف الأرض تتمخض عن حياة. وقد تجد حياة في داخل الأرحام تتحفز للوجود. وقد تجد فكرا في داخل النفوس يتوثب للظهور، وعواطف في حنايا القلوب تفيض حبا وحنينا. •••

ولكن ... ولكن قد تجد أيها العام مع مظاهر السعادة، والنور، والحياة، خليطا من مظاهر الشقوة، والظلمة، والعدم.

إن رأيت على الأرض زهورا، فقد ترى على الأرض قبورا. وإن رأيت شفتين انفرجتا عن الابتسام، فقد ترى شقين شدا من سقام وآلام. وإن تسمعت من بعض الأفئدة حنينا، فقد تسمع من أفئدة أخرى أنينا. وإن وجدت في ناحية من نواحي الأرض عدلا ورحمة، فقد تجد في بعض نواحي الأرض ظلما ونقمة، وإن وجدت بطونا تدفع فقد تجد أرضا تبلع. وإن وجدت في ناحية من الربوات عيون النرجس يبللها الندى، فكم تجد من عيون سليمة تبللها الدموع. •••

ولم أشأ يا عام أن ألقاك، كما يلقاك الشباب في المراقص والأفراح، بين قبلات طاهرة، أو قبلات فاجرة، ولم أشأ أن ألقاك يا عام في مجلس الصهباء بين قرع القوارير، أو رنين الطاس والكأس. ولم أشأ أن ألقاك يا عام حيث يفزع العبد لمولاه، وحيث يستغفره ويترضاه. وآثرت أن ألقاك في الأمس الأول في غرفتي وحدي، وبين حيطان أربع؛ لأتحدث إليك في انفراد، وأحاسبك في نفسي عن غير غل، أو عناد.

خطرات نفس · الصفحة ٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خطرات نفسص ٣٦