على أن الذي يسليني من أمور زيد هو أسلوبه في محاوراته، وبعض أحاديثه ومداوراته، في وقت يحسب فيه أن دولة حزب من الأحزاب كادت تدول، وأن حزبا آخر كاد حاله إلى المجد يحول، أو أن عزيز قوم قد آن له أن يضمحل، وأن ينال مكانه رجل كان من الذين محيت أسماؤهم من الكتاب وآن لاسمه أن فيه، ويصير من النابهين.
في ذلك الوقت يقلل زيد اختلاطه بمن كان يلابسهم كثيرا من هؤلاء الذين آن للمجد أن ينصرف عنهم، وإذا جلس بالمجالس سمعته يقول: هذا بلد لا خير فيه وليس فيه الخير، وليس الخير فيه، والخير لا يكون فيه، وما إلى ذلك من عبارات مكررة ومعان واحدة، تكاد تبغضك إلى كل بلد، وتكاد تكرهك في كل جماعة وفئة.
وفي ذلك الوقت يشرع في أن يشد الحبل بينه وبين هؤلاء الذين كان قد ارتخى الحبل عندهم من زمن مضى، ويشرع في أحاديثه بذكر بعض حسناتهم التي كانت في رحمة الله منطوية وينتهز فرصة سانحة ليرافق صديقا لزيارة هؤلاء الذين سيصبحون عما قريب أولياءه ويصبح وليهم. وإنك لتعجب من جرأته عند ما يسوق لمن يحسبهم أولياء المستقبل القريب مظاهر الود وآيات التبسيط، ومن تحدثه معهم في شئونهم الحزبية كأنه واحد منهم ولا تدهش إذا سمعته يقول أمامهم ينبغي أن تكون خطتنا إزاء خصومنا هي كذا وكذا وأن تكون أعمالنا لإصلاح شئوننا هي كذا وكذا بصوت تملؤه الحماسة.
ولا تدهش من أمثال هذا يوم تراه أوتوقواطيا، ويوم تراه ديموقراطيا، ويوم تراه إنكليزيا، ويوم تراه وطنيا. ويوم تراه وليا. ويوم تراه عصيا.
هو كل شيء؛ لأن حكمته البالغة «ودر مع الدهر كيف دارا»؛ ولأنه يجد من الفطنة والذكاء أن يتخذ المرء لكل حالة لبوسها، إن المتقلب لا يقدر قيمة الحياة إلا بمقدار ما يكسبه الإنسان فيها من وجاهة المظهر، وزيادة الثروة، والتنكب عن العقبات، ولا أنكر عليه أن الوجاهة والرزق والراحة من الخيرات التي لا تهون؛ لكني أنكر عليه الجهل بأن في الوجود خيرا آخر اسمه الخير الخلقي، يتلخص في حسن تقدير الناس للناس، وفي راحة الضمير، وأن لذة هذا الخير قد تربى على لذة ما يطلبه من مال ووجاهة وراحة. •••
أنكر على المتقلب ما أنكر، وأعجب لأصحاب المبادئ كيف يلقى المتقلبون في رحابهم سهلا، وكيف يجدون في الحياة الاجتماعية أهلا.
أستغفر الله، قد تساورني الوساوس، فأقول: عندنا أما غافل يستخدمه المتقلبون، وأما متقلبون بالقوة والاستعداد، فهم يأنسون بالمتقلبين بالفعل والحركة.
| سعادة الباشا أو صورة من صور التصنع
السبت في 19 من ديسمبر سنة 1925
من الناس من يهيئ له القضاء أسبابا ليتصف بصفات النبالة والشرف. فما يبطنه مما تخفي النفوس نبيل، وما يظهره مما تبديه الجوارح لطيف ظريف، وهؤلاء هم الأشراف حقا ولو لم يكونوا من طبقة الأشراف عرفا واصطلاحا.
ومن الناس من ينشأ فظا فيما يعلن، مرذولا فيما يسر، فتعاف مظهره ومخبره معا. فهو حقا من الطغام رغم وفرة نعمه، وكثرة خدمه، وحسن ثيابه. ومختلف ألقابه.
وذلك لأن النبالة الحقة صفة من صفات النفس، وإن مظاهرها من الحركات الخارجية لا تؤثر أثرها الصالح في الناس، ولا تقع وقعها الحسن إلا إذا كانت ترجمة مطابقة لما في النفس الشريفة من معاني الشرف وبواعثه. •••
وإليك وصف نبيل من نبلاء العرف، لم يجعله الله ليكون نبيلا، ولكن الزمان الأعمى حشره في زمرة ذوي الألقاب من أهل الشرف!
عرفت ذلك الباشا منذ كان طفلا، فكان يأكل كما تأكل الأطفال من أبناء طبقته، ويفرح كما يفرحون، ويحزن كما يحزنون، فيه وداعة البساطة، فإذا حزن ظهر عليه حزنه، وإذا غضب بدا عليه غضبه.
ذهب إلى المدرسة وجد واجتهد، وجاز عليه كل ما يجوز على التلاميذ من حيل، وفوز، وآمال، ومثوبة، وعقوبة. وبعد أن جاز دور التلمذة ارتقى سريعا إلى درجات أرباب المناصب المميزين، ثم حبي الرتب، ثم منح الألقاب. وخلاصة القول: إن صديقنا الطفل الوديع المتواضع حسبا وحالا أصبح شخصا آخر. أصبح مولاي الباشا ...