ومع ذلك فقد تكون الجباه ملساء ينعكس عن لمعانها نور الله ورضاه، ولكنها تخفي النور وتبدي الغضب.
ومع ذلك فقد تكون في الفضاء شموس وأقمار وأضواء متلألئة، ولكن العين لا تقع إلا على النقطة السوداء.
ومع ذلك فقد تسيل البسمات، وتنتقل من شفة إلى شفة، كما ينتقل الطير من زهرة إلى زهرة، ولكن البسمات لا تقع على بعض الشفاه.
ومع ذلك فقد يحمل الهواء ألحانا عذبة، ونغما شجيا، ولكنه لا يحمله إلى بعض الآذان.
ومع ذلك فقد تكون مادة الأعصاب سليمة، لم تأكلها السنون، وتعاقب الأوصاب واللذات، لكنها لا تقوى على الحركة، ولا تستمرئ للنشاط طعما.
تلك هي صورة الضجر. وذلك هو شأن الضجرين. •••
وكم من مرة يحاور الضاجر نفسه في أمر ذلك الضيق، وفي بيته رغيف يأكله، فلا يشكو جوعا، وفي حقيبته كساء يرتديه، فلا يخاف عريا، وتحت سماء الله سقف يظله، فلا يخشى قلة المأوى، وعلى أرض الله فراش وثير يتقلب عليه إذا أوى، فلا يخاف خشونة وبأسا.
وكم من مرة يقول: أي سم جرى في دمي، فكان مصدرا لذلك الضجر؟
وأي غبار يختلط بالهواء، فيصير إلى صدري، فيحبس عني الهواء رطبا بليلا؟
وأي كثافة تختلط بالأضواء، فلا تشف عن لآلائها وبهائها؟ وأي سحرة تمسخ تلك الوجوه أمامي، فتحول إلى أشكال القردة الهازلة؟
وأي سحرة تلون تلك الوجوه بالأحقاد القاتمة؟ •••
أف أف يا رباه ... أهو دم فاسد يجري في عروقي، فيفسد علي هذا الوجود؟ أم هي مواد حللها الفساد فاغتذى الجسم منها، فلا أرى في الكون إلا فسادا؟ أم هي الحياة الاجتماعية قد اعتلت واختلت، وأحوال النفوس قد فسدت؟
أف أف ... لقد فسد جو الحياة الاجتماعية، فأصبحت أكثر النفوس لا تتنفس إلا ضيقا وضجرا. فمتى يستحيل الضيق فرجا، ينفث عن الصدور، ويطهر الجو المسموم؟
| لذكرى الأديب1
ليون (فرنسا) في 18 من أغسطس سنة 1930 ... وفي الليل تتألق نجوم في السماء، وعلى الغصون زهور تبتسم، وعلى الصدور لآلئ تداعب النور، وفي القصبة وحي ودرر بين أصابع الأديب ... •••
ويسألون ما الأدب؟ ويسألون من الأديب؟ ...
الأدب عالم معنوي تتغذى منه العواطف الرقيقة، والأفهام الدقيقة؛ بل هو معراج ترقي به النفس إلى السماء لتشعر بالجمال، وتعقل الكمال.
والأديب إنسان يعلم كيف يتحدث إلى النجوم المتألقة، وكيف يخاطب الغصون المياسة والزهور، وكيف يجعل من صرير القلم نغما شجيا.
يكدح ويكد، وقد يسهر الليل وراء لفظ من الألفاظ؛ بل قل وراء درة ليسكن فيها المعنى الظريف ...؛ بل وراء أحرف إذا هي امتزجت، فكأنما هي أوتار تسمعك صوت المعاني عاليا رنانا؛ بل وراء قبس من نور يضيء حول الخفي المستور في زوايا النفوس، فتراه واضحا جليا ...؛ بل عن صور من الفزع والجزع والغبطة والهناء، ليرمز بها لمعاني الفزع والجزع والغبطة والهناء ... •••
وبينما يكون في مجالس الناس إذ يقص القصاصون، ويتحدث المتحدثون، ويتسامر المتسامرون، فتنظر في وجهه، فترى حدقتيه كأنهما اتجهتا إلى عالم آخر. وكثيرا ما تطير نفسه إلى حيث تناجي الملائكة، إلى حيث تتخاصر المعاني والكلم.
وبينما قوم يلهون في مآكلهم ومشاربهم، ومتاجرهم، وترهاتهم، ودسائسهم، يلهو الأديب بما يهبط عليه من عالم البيان، وما يستوحيه من عالم السحر الحلال.
وبينما قوم يعيشون بجسومهم ونفوسهم على الأرض وحول المادة، يعيش الأديب بنفسه في السماء وحول ما في السماء ...
وطالما تحول ذهنه المكدود وإكسير دمه وخلاصة عصبه إلى تلك السطور التي تقرءونها، وتقولون: إنه يكسب منها ثناء أو مالا. ولكن كل ما يكسبه الأديب من مادة يتحول عنده معنى وأدبا، تتنفسون من نسماته، وتتنسمون من شذاه.
يعيش الأديب من العمر ما شاء الله أن يعيش، ولكنه يعيش في الفن وللفن. وتصادفه في حياته آلام وأوصاب، ومع ذلك تمر عليه ساعة هناء لا يعدلها عنده أي متاع وهناء. ساعة يتزوج المعنى من لفظ، ساعة يحضر هذا الزفاف المحمود. •••