دخلنا تلك الدار قبيل الظهر، وكنا أربعة فوجدنا الرجل مشمرا مجدا في تنظيفها. وبعد تبادل التحية سأله أحدنا أهنا غرفة لطالب؟ فقال: نعم، وفتح باب الغرفة الصغيرة فتفقدنا أثاثها، ثم سأله سائلنا وما أجر تلك الغرفة؟ فقال الرجل علم ذلك عند ربة الدار، وهي الآن في عملها، وستعود حول الساعة السابعة. فقال قائلنا: أو لست رب الدار؟ وقد يكون عندك نبأ ذلك! فأجاب نعم، ولكن هذا من شأن السيدة، فتفضلوا بالعودة ريثما تعود، وبينكم وبينها يكون الحساب.
نزلنا على أن نرجع، وقلت في نفسي إن هذه الطبقات الفقيرة من يذكر حكمة الإنجيل «دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله»، ثم ذهبنا إلى حيث صرفنا وقتنا، وعدنا في الموعد المضروب. طرقنا الباب ففتحته لنا سيدة تماثل زوجها في العمر، ترتدي بزة بسيطة نظيفة. تنم عن فقر وصبر. ولما دخلنا الدار انغمرت أسماعنا في جو من التوقيع والنغم، فنظر أحدنا وقال: إنه طفل صغير يعزف. فتوجهت أنظارنا حيث الغرفة التي تتدفق منها الموسيقى تدفقا، وكان بابها مواربا قليلا، ففطنت السيدة إلى دهشتنا، ودعتنا لندخل تلك الغرفة. وهناك وجدنا الشيخ الخباز يجلس على حافة السرير الصغير، وفتاة وفتى من الجار الجنب يجلسان على حافة السرير الآخر، وبين يدي الفتى آلة موسيقية شبيهة بالعود، أما الطفل فكان أمام البيانو يدق بأنامله الماهرة الدقيقة، ويرافقه الفتى على الآلة الأخرى، والفتاة كانت تشترك معهما بصوتها إنشادا. لم يكن لنا في تلك الغرفة مكان لنجلس، فوقفنا، ووقف الشيخ معنا، وضاق المكان بنا وبما فيه من أثاث. سألتني ربة الدار عما إذا كان لنا رغبة في سماع شيء معين. فطلبت لحنا من تأليف الموسيقي (اشتروس). فأخذ الغلام يعزف بحذق ما طلبت. وكان الشيخ أبوه ذو القميص الأزرق واللباس المرقوع يرمقه، بنظر العاطف الآمل وأمه في زاوية تحيطه بحنانها وغبطتها. ولمحت لباس الصبي، فوجدته ممزقا رثا. طأطأت رأسي إجلالا؛ لأني كنت أسمع من دقات الصبي أنشودة الفقر والجد والشرف، ونظرت إلى من حولي من الرفاق ليستوحوا من تلك الحياة موعظة.
ولما انتهى الغلام من توقيعه بين إعجابنا صفقت له مع رفاقي، وهنأت به أمه وأباه، ثم دعوت السيدة لتنتقل معنا إلى الغرفة الثانية؛ لنتفاوض فيما جئنا من أجله. وهناك قدمت الحديث بكلمة في الموسيقى، وفي مستقبل ذلك الموسيقي الصغير، وإذ ذاك قالت السيدة بشيء من السذاجة والألم: «لقد قال الأستاذ الموسيقي «ماير» علمي صبيك، فقد يصير رجلا عظيم الشأن في الموسيقى شبيه «بموزار»، ولكن عملي وعمل زوجي ودخل الغرفة التي أؤجرها لا يبقى لنا من المال ما نربي به نبوغ الولد.»
تأثرت وتذكرت أن النبوغ طالما نبت في أمثال هذه العائلة التي شعرت في جوها بالفضيلة والصبر والقناعة وفهم الحياة والاحتيال الشريف على التمتع بما في العيش من جمال. تذكرت من رجال الغربيين «روسو» و«كنت» وتذكرت «رينان».
ثم قلت في نفسي: عائلة تطلب اليسير من المال، فلا تجده لتكوين نبوغ مرتجى، وعائلة تصرف الكثير من المال على ولد فيكون من الضالين. حارت الأفهام في تقسيم الحظوظ. ألحكمة يفعل الله ذلك؟!
| ضيق وضجر
القاهرة في 13 من يونيو سنة 1924
شيء يوقر الصدور، فلا تتسع الصدور لما ينعش من هواء. شدة تقرب بين ثنايا الجبين، وتخفي في غورها إشراق الجبين. نقطة سوداء في الأفق يرعاها البصر الكليل، ولا يحيد عن مرآها البصر الكليل.
عروة تصل بين الحاجبين، وعقدة تضرب على الشفتين الصامتتين.
سدادة تلقى في الأذن، فلا تسمع الأذن عبارة تسلية، أو كلمة عزاء. سيال يسري في الأعصاب، فيخدر الجسم عامل القوة وعامل النشاط. •••
ومع ذلك فقد تكون نسمات الليل نقية باردة، ولكنها تمر إلى الصدور دون أن تحس الصدور ببردها وسلامها.