وقد ألغى السلطان الناصر عددا كبيرا من الضرائب الجائرة، وبذلك خفف عن البلاد الأعباء الثقيلة التي كانت رازحة تحتها. وإليك ما قاله المقريزي أيضا بالصفحة 88 في هذا الصدد:
وأبطل السلطان عدة مكوس منها مكس ساحل الغلة، وكان جل متحصل الديوان، وعليه إقطاعات الأمراء والأجناد، ويتحصل منه في السنة أربعة آلاف ألف وستمائة ألف درهم، وعليه أربعمائة مقطع، لكل منهم من عشرة آلاف إلى ثلاثة آلاف، ولكل من الأمراء من أربعين ألفا إلى عشرة آلاف، وكانت جهة عظيمة لها متحصل كثير جدا، وينال القبط منها منافع كثيرة لا تحصى، ويحل بالناس من ذلك بلاء شديد وتعب عظيم من المغارم والظلم، فإن مظالمها كانت تتعدد ما بين نواتية تسرق، وكيالين تبخس، وشادين وكتاب يريد كل منهم شيئا، وكان مقرر الإردب درهمين للسلطان، ويلحقه نصف درهم غير ما ينهب ويسرق، وكان لهذه الجهة مكان يعرف بخص الكيالة في ساحل بولاق، يجلس فيه شاد وستون متعمما ما بين كتاب ومستوفين وناظر، وثلاثون جنديا مباشرون، ولا يمكن أحدا من الناس أن يبيع قدحا من غلة في سائر النواحي، بل تحمل الغلات حتى تباع في خص الكيالة ببولاق.
ومما أبطل أيضا نصف السمسرة، وهو عبارة عن أن من باع شيئا من الأشياء فإنه يعطي أجرة الدلال على ما تقرر من قديم عن كل مائة درهم درهمين، فلما ولي ناصر الدين الشيخي الوزراة قرر على كل دلال من دلالته درهما من كل درهمين، فصار الدلال يعمل معدله، ويجتهد حتى ينال عادته، وتصير الغرامة على البائع، فتضرر الناس من ذلك وأوذوا فلم يغاثوا حتى أبطل ذلك السلطان.
ومما أبطل رسوم الولاية، وكانت جهة تتعلق بالولاة والمقدمين، فيجبيها المذكورون من عرفاء الأسواق وبيوت الفواحش، ولهذه الجهة ضامن، وتحت يده عدة صبيان، وعليها جند مستقطعون وأمراء وغيرهم، وكانت تشتمل على ظلم شنيع وفساد قبيح وهتك قوم مستورين وهجم بيوت أكثر الناس.
ومما أبطل مقرر الحوائص والبغال من المدينة وسائر أعمال مصر كلها من الوجه القبلي والبحري، فكان على كل من الولاة المقدمين مقرر يحمل في كل قسط من أقساط السنة إلى بيت المال، عن ثمن حياصة ثلاثمائة درهم، وعن ثمن بغل خمسمائة درهم، وعلى هذه الجهة عدة مقطعين، ويفضل منها ما يحمل، وكان يصيب الناس من هذه الجهة ما لا يوصف، ويحل بهم من عسف الرقاصين ما يهون معه الموت.
ومن ذلك مقرر السجون، وهو عبارة عما يؤخذ من كل من يسجن، فللسجان على حكم المقرر ستة دراهم سوى كلف أخرى، وعلى هذه الجهة عدة مقطعين، ويرغب فيها الضمان، ويتزايدون في مبلغ ضمانها لكثرة ما يتحصل منها، فإنه كان لو تخاصم رجل مع امرأته أو ابنه رفعه الوالي إلى السجن، فبمجرد ما يدخل السجن ولو لم يقم به إلا لحظة واحدة أخذ منه المقرر، وكذلك كان على سجن القضاة أيضا.
ومن ذلك مقرر طرح الفراريج، ولها ضمان عدة في سائر نواحي أرض مصر يطرحون على الناس الفراريج، فيمر بضعفاء الناس من ذلك بلاء عظيم، وتقاسي الأرامل من العسف والظلم شيئا كثيرا، وكان على هذه الجهة عدة مقطعين، ولا يمكن أحدا من الناس في جميع الأقاليم أن يشتري فروجا فما فوقه إلا من الضامن، ومن عثر عليه أنه اشترى أو باع فروجا من سوى الضامن جاءه الموت من كل مكان، وما هو بميت.
ومن ذلك مقرر الفرسان، وهو عبارة عما يجبيه ولاة النواحي من سائر البلاد، فلا يؤخذ درهم مقرر حتى يغرم عليه صاحبه درهمين، ويقاسي الناس فيه أهوالا صعبة.
ومن ذلك مقرر الأقصاب والمعاصر، وهو ما يجبى من مزارعي قصب السكر، ومن المعاصر ورجال المعاصر.
ومن ذلك مقرر رسوم الأفراح، ويجبى من سائر النواحي، ولهذه الجهة عدة ضمان، ولا يعرف لهذه الجهة أصل البتة، وإنما يجبى بضرائب ينال الناس فيها مع المقرر غرامات وروعات.