تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ذكر لمبروزو في كتابه ص97 أن الحبة من الحنطة كانت تأتي بمائة، وهذا القول فيه مبالغة كبيرة؛ لأن الفدان الواحد يلزمه من البذر نصف إردب من الحب، فعلى الحساب المتقدم تكون غلته خمسين إردبا، وهذا أمر يصعب تصديقه.

وقال أميان مرسيلان

Ammien Marcellin (المجلد 22، الفصل 15) وقد زار القطر قبيل نصف القرن الرابع بعد الميلاد ورأى الشيء عيانا: إنه ليس من الأمور النادرة إذا زرعت الأرض زرعا جيدا أن تأتي البذرة الواحدة بسبعين مثلها، يعني أن الفدان يغل على هذا خمسة وثلاثين إردبا.

وقال ابن مماتي في كتابه «قوانين الدواوين» (ص29):

كانت قطعية خراج القمح إلى آخر سنة 567ه/1172م عن كل فدان واحد ثلاثة أرادب، ولما أصبحت الديار المصرية في سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة (1176م) تقرر الخراج إردبين ونصف إردب، ومقدار ما يتحصل فيه من إردبين إلى خمسة إلى عشرة إلى عشرين إردبا على ما يقدره الله تعالى، وبذره من أربع ويبات إلى ما حلولها، وأما الشعير فالأمر فيه على ما شرح في القمح، وربما كان المتحصل منه أكثر بمقتضى جودة الأرض. ا.ه.

ولنفرض أن متوسط غلة الفدان عشرة أرادب مع مراعاة أن مسطح الفدان في ذلك الوقت كان 5929 مترا مربعا، وبتحويله إلى فدان مسطحه 4200 متر مربع، فهذا المتوسط يهبط إلى سبعة أرادب وكيلة، وهذا المحصول المتوسط الذي لا يمكن الحصول عليه في هذه الأيام كانت تنتجه الأرض في عصر كانت فيه مصر منحدرة في سلم الهبوط باعتراف مؤلفي العرب أنفسهم، وهاك ما قاله القاضي أبو الحسن المخزومي حوالي سنة 580ه/1184م، نعني بالتدقيق في عصر ابن مماتي، في كتابه «المنهاج في الخراج»، ونقل عنه المقريزي في خططه ج1 ص171:

بين مشارق الفرما من ناحية جرجير وفاقوس، وبين آخر ما يشرب من خليج الإسكندرية مسيرة شهر؛ كان عامرا كله في محلول ومعقود إلى ما بعد الخمسين وثلاثمائة من سني الهجرة (961م)، وقد خرب معظم ذلك. ا.ه.

وهذه المنطقة هي على التحقيق المنطقة التي سبق بيانها؛ نعني إقليم شمال الدلتا برمته.

وهاك ما ذكره ابن إياس في كتابه «بدائع الزهور» (ص25) قبيل سنة 920ه/1514م قال:

وقد تغيرت أحوال مصر في دولة الإسلام إلى الغاية، وخرب غالب قراها وانحطت قراها، واستمرت إلى الآن في كل سنة يتلاشى أمرها إلى الخراب. ا.ه.

وينتج من الوصفين السالفين أننا إذا قارنا بين عصر الفراعنة وعصر ابن مماتي الذي كان فيه الفدان متوسط غلته سبعة أرادب وكيلة، مع كون هذا المتوسط لا يمكن الحصول عليه الآن، نجد عصر الفراعنة أوفر غلة من عصر ابن مماتي.

ومن رأينا أنه يمكن الاقتناع والتسليم بعد هذه البيانات بأن الفرق في الخصب بين العصرين هو الفرق بين محصول فدان مساحته 5929 مترا مربعا، وآخر مساحته 4200 متر مربع، وأن هذه المساحة الأخيرة يقدر محصولها بعشرة أرادب في عصر الفراعنة بدون مبالغة.

ونحن نورد هنا محصولا شاذا لم نعهد مثله، ذكره المقريزي في خططه ج1 ص101 قال:

ولما كان في سنة ست وثمانمائة (1404م) انحسر الماء عن قطعة أرض من بركة الفيوم التي يقال لها اليوم بحر يوسف، فزرعت وجاء زرعها عجيبا، رمى الفدان منها أحدا وسبعين إردبا من شعير بكيل الفيوم، وإردبها تسع ويبات. ا.ه.

وهذا الإردب الذي يبلغ مقداره تسع ويبات يعادل إردبا ونصف إردب بمكيالنا الحالي، ويكون محصول الفدان الذي مساحته 5929 مترا مربعا

من الأرادب بمكيالنا، ومحصول الفدان الذي مساحته 4200 متر مربع

من الأرادب، ويظهر أن هذا المحصول خارق جدا للعادة حتى إني لم أذكره إلا لأنه مستغرب.

ويلزمنا الآن بعد أن حددنا هذا المحصول أن نعرف مساحة الأراضي التي كانت مزروعة حتى نعين ضريبة العشر، غير أن هناك أمرا وهو أنه كان يوجد بمصر أنواع كثيرة من المزروعات يتم نضجها في أوقات مختلفة على طول السنة، وهذا ما أثبتته الآنسة رويارد في كتاب «إدارة مصر المدنية في عصر البيزانطيين» (ص86)؛ إذ قالت:

مالية مصر من عهد الفراعنة إلى الآن · الصفحة ٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مالية مصر من عهد الفراعنة إلى الآنص ٣٢