والمساحة المعدة للزراعة بالفعل الآن هي 5615700 فدان، وجميع هذه المساحة - وهي بلا مراء أخصب أراضي مصر - كانت مزروعة في الأزمان القديمة، بل كان المزروع في تلك الأزمان أكثر من هذه المساحة، وينبغي ألا يخامرنا أقل شك في ذلك، وأنصع برهان عليه الأكوام الكثيرة في شمال الدلتا التي هي أطلال مدن كانت في العصور الغابرة منتشرة في تلك الناحية، وهذه المنطقة كانت أقل خصبا في الزمن السالف من الأرض المعدة للزرع الآن بلا ريب، والبرهان على قلة خصبها هو أن سكانها جلوا عنها في مقدمة المناطق التي نزح عنها أهلها. فوجود هذه التلال فيها برهان قاطع على أنها كانت مزروعة، وإلا ما استطاع ديار أن يقطنها، ولكانت كما هي الآن غير مسكونة، فهذا الجزء القاحل والخالي الآن من الزرع والضرع كان إذن في العصور الماضية مزروعا، وكان بالضرورة ينتج ما يفي بحاجات عدد كبير من السكان.
ومما يجب ألا يغيب عن الأذهان وأن يوضع نصب الأعين، وجود كثير من المناطق في القطر المصري الآن عدد سكانها أقل مما يجب أن يكون، حتى يصبح في حيز الاستطاعة القيام بزرعها بصفة مرضية. فلو لم يكن السكان في العصور المنصرمة كانوا أكثر عددا منهم الآن لما كان هنالك حاجة لفلاحة المنطقعة القاحلة السالف ذكرها، وفوق ذلك كان هؤلاء السكان لقلتهم يعجزون عن تهيئة هذه المنطقة وزرعها، وهذا البرهان الذي سقناه على أن عدد السكان في تلك الأزمان كان أكثر منهم في عصرنا هذا غير قابل للجدل.
أما عدد الأفدنة التي كانت تزرع في الأيام الخالية فلا نظن أننا مبالغون إذا قدرناه بستة ملايين فدان، بضم 384300 فدان إلى ال 5615700 فدان المزروعة الآن، لتكون الستة ملايين عددا إجماليا بصرف النظر عن الكسور التي لا يخلو منها الحال عادة.
هذا هو مقدار كمية الأفدنة التي كانت تزرع في الأزمنة الفرعونية.
أما جملة مسطح الأراضي الصالحة للزراعة في القطر المصري فهي 7300000 فدان، يحذف منها مسطح البحيرات الآتية:
بحيرة مريوط
90000 فدان
بحيرة أبي قير
35000 فدان
بحيرة إدكو
35000 فدان
بحيرة البرلس
140000 فدان
بحيرة المنزلة
400000 فدان
الجملة
700000 فدان
وهذه البحيرات كلها في شمال الدلتا، وكانت على ممر العصور والدهور بحيرات، فبحيرة مريوط روى لنا وصفها استرابون (المجلد السابع عشر، الفقرة السابعة) باسم مريوطس، وبحيرتا أبي قير وإدكو وجدتا كما هما على الدوام، وبحيرة البرلس تكلم عنها هيرودوت (الجزء الثاني، الفقرة 156) فقال إنها بحيرة واسعة الأرجاء عميقة القاع، ويوجد في وسطها معبد أبلون
Appollon
في جزيرة قرب مدينة بوتو (أبتوا الحالية)، وبحيرة المنزلة قص لنا عنها استرابون (المجلد 17، الفقرة 20) فقال إنها بحيرة كبيرة فوق مصبي فرعي النيل المنديزي والتانيتي، ثم ذكر في «الفقرة 21» أنه يوجد سلسلة بحيرات ومستنقعات بين مصبي الفرعين التانيتي والبيلوزي.
فجميع هذه الأوصاف تنطبق الآن على القسم الشمالي من الدلتا انطباقا تاما، وتذهب بنا إلى القول بضعف النظرية القائلة بخسف هذا القسم.
وعلى ذلك نحذف مسطح هذه البحيرات، وهو 700000 فدان من الأرض الصالحة للزرع، وهي 7300000 فدان، فيكون الباقي 6600000 فدان، ومن ثم فالعدد 6000000 يجب اعتباره الحد الأدنى لا الأعلى.
المبحث الثاني
إن الشرطين الأساسيين اللازمين لإنجاح الزراعة وعدم ضياع ما يبذل فيها من الجهود سدى؛ هما كثرة السكان وخصب الأرض، وهذان الشرطان كانا متوافرين في مصر في عصر الفراعنة؛ إذ إنه كان يوجد بها من السكان ما لا يقل عن ثمانية عشر مليون نسمة، كما سنبين ذلك فيما بعد، ومن الأفدنة المزروعة ما مساحته ستة ملايين، وهذا القدر كان ضروريا لإعالتهم وتغذيتهم.
أما من حيث خصب الأرض، فنبرهن عليه بالحاصلات الآتية: