تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

محمد بن هانئ الأندلسي

هو أبو الحسن محمد بن هانئ الأزدي الأندلسي، الشاعر المشهور، «من ولد يزيد بن حاتم بن قبيصة بن الملهب بن أبي صفرة»، كان شاعرا مجيدا. ولد بإشبيلية «سنة 330 هجرية»، واتصل بصاحب إشبيلية وحظي عنده، ثم ارتحل إلى عدوة وهي «مدينة الزاب»، وامتدح والييها جعفر ويحيى ابنا علي، وكانا بالمسيلة؛ فبالغا في إكرامه. ونما خبره إلى المعز لدين الله الفاطمي فطلبه منهما، فلما وصل إليه مدحه بغرر القصائد فبالغ في الإنعام عليه بعطايا جزيلة يندر أن يهبها ملك إلى شاعر مثله. امتدح جوهر الصقلي قائده وغيره من أعيان الدولة. ولم يكن في المغاربة أشعر منه، وكان عندهم كالمتنبي عندنا بالشرق، وكانا في عصر واحد. ولم يكن فيلسوفا، ولكن له آراء أشبه بالفلسفة. ورحل إلى بلاد البربر ببلاد إفريقية، ولقي بها جوهر الصقلي قائد جيوش المعز، فمدحه ووصله. ومن بؤسه أنه كان متهما بالخلاعة والمجون وشرب الخمر والإدمان على السكر، وزعموا أنه كان متهما بمذهب الفلاسفة، وذلك كان علة بؤسه. وسبب وفاته أنه نزل على شخص من برقة فأضافه، وأقام عنده في مجلس حافل، وسكروا وأسكروه معهم، فلما انتشوا عربدوا عليه فقتلوه. وكانت وفاته في شهر رجب «سنة 365 هجرية»، وله من العمر 35 سنة. ولما بلغ المعز لدين الله الفاطمي خبر وفاته وهو بمصر حزن عليه حزنا شديدا وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، كنا نرجو أن نفاخر به شعراء الشرق فلم يقدر لنا.

ولابن هانئ ديوان شعر كله غرر ودرر قرط بهذين البيتين:

إن تكن فارسا فكن كعلي

أو تكن شاعرا فكن كابن هاني

كل من يدعي بما ليس فيه

كذبته شواهد الامتحان

ومن محاسن شعره:

فتكات طرفك أم سيوف أبيك

وكئوس خمر أم مراشف فيك

منعوك من سنة الكرى وسروا فلو

عثروا بطيف طارق ظنوك

ودعوك نشوى ما سقوك مدامة

لما تمايل عطفك اتهموك

حسبوا التكحل في جفونك حلية

تالله ما بأكفهم كحلوك

ولوى مقبلك اللثام وما دروا

أن قد لثمت به وقبل فوك

ابن عفيف الدين التلمساني

هو سليمان بن محمد بن عبد الله، الأديب البارع والألمعي الأريب، شاعر عصره وفريد دهره. كان رحمة الله عليه حسن العشرة كريم الأخلاق، ذا وجاهة واعتبار، يجالس الأمراء، ويباحث العلماء. واشتهر بين أهل دمشق بنظم الشعر، واعتبروه من نوابغ شعراء الشام؛ فكانوا لا يرون عليه تفضيل شاعر، ولا ينظرون له شعرا إلا عظموه كالمشاعر.

وسبب بؤسه؛ أنه اتهم في آخر أيامه بالخمر والفسق والقيادة؛ فهجره عارفوه، وتخلى عنه والده؛ فعاش ما بقي من عمره بائسا يائسا غير مرضي عنه. ومات غما سنة «688 هجرية». وله ديوان شعر نفيس. ومن محاسن شعره:

لما رأت عشاقها قد أحدقوا

من حسنها بحدائق الأحداق

شغلت سواد عيونهم في شعرها

وتوشحت ببياضهن الباقي

وله أيضا:

لا تخف ما فعلت بك الأشواق

واشرح هواك فكلنا عشاق

فعسى يعينك من شكوت له الهوى

في حمله فالعاشقون رفاق

قد يخفى الحب لولا دمعك ال

جاري ولولا قلبك الخفاق

لا تجزعن فلست أول مغرم

فتكت به الوجنات والأحداق

واصبر على هجر الحبيب فربما

عاد الوصال وللهوى أخلاق

كم ليلة أسهرت أحداقي بها

ملقى وللأفكار بي إحداق

يا رب قد بعد الذين أحبهم

عني وقد ألف الرفاق فراق

واسود حظي عندهم لما سرى

فيه بنار صبابتي إحراق

عرب رأيت أصح ميثاق لهم

أن لا يصح لديهم ميثاق

وعلى النياق وفي الأكلة معرض

فيه نفار دائم وتفاق

ما ناء إلا حاربت أردافه

خصرا عليه من العيون نطاق

ترنو العيون إليه في إطراقه

فإذا رنا فلكلها إطراف

وله أيضا:

مذ رأته الشمس في الحمل

لم تكد تبدو من الخجل

غصن بان مثمر قمرا

يخجل الأغصان بالميل

ورد خديه يضرجه

خجل من نرجس المقل

وسوى ذا أن مبسمه

جامع للخمر والعسل

من مجيري من لواحظه

إنني منها على وجل

كلما سلت صوارمها

قال قلبي قد دنا أجلي

وله أيضا:

بتثني قوامك الممشوق

البؤساء في عصور الإسلام · الصفحة ٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

البؤساء في عصور الإسلامص ٢١