فلما بلغتها ، قلت لأهلي : أكان من حدث بعدنا في مكة؟ قالوا : نعم ، قام محمد بن عبد الله يزعم أنه نبي ، وقد تبعه ابن أبي قحافة (( يريدون أبا بكر )) قال طلحة : وكنت أعرف أبا بكر ، فقد كان رجلاً سهلاً محباً موطَّأ الأكناف ، وكان تاجراً ذا خلق واستقامة وكنا نألفه ، ونحب مجالسه ، لعلمه بأخبار قريش وحفظه لأنسابها ، فمضيت إليه وقلت له : أحقاً ما يقال من أن محمد بن عبد الله أظهر النبوة ، وأنك اتبعته؟! قال : نعم .. وجعل يقص عليَّ من خبره ويرغبني في الدخول معه فأخبرته خبر الراهب ، فدهش له وقال : هلم معي إلى محمد لتقص عليه خبرك ، ولتسمع ما يقول : ... ولتدخل في دين الله .
قال طلحة : فمضيت معه إلى محمد فعرض عليَّ الإسلام وقرأ عليَّ شيئاً من القرآن ، وبشرني بخيري الدنيا والآخرة ، فشرح الله صدري إلى الإسلام ، وقصصت عليه قصة راهب بصرى فسُرَّ بها سروراً بدا على وجهه .
ثم أعلنت بين يديه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله .. وقع إسلام الفتى القرشي على أهله وذويه وقوع الصاعقة وكان أشدهم حزناً وهلعاً لإسلامه أمه ، فقد كانت ترجو أن يسود قومه لما يتمتع به من كريم الشمائل وجليل الخصائل . وقد بادر إليه قومه ليثنوه عن دينه فوجدوه كالطود الراسخ الذي لا يتزعزع .
فلما يئسوا من إقناعه عذبوه أشد العذاب فكانوا يدفعونه في ظهره ويضربونه على رأسه وخلفه أمه وهي عجوز تسبه وتصيح به (1) .
(1) 2 ـ صورة من حياة الصحابة ص474 .