من تلك البذرة السليمة والنشطة-بذرة غذتها وأبقتها حية شرارة التعاطف الإنساني المتقدة نشاطا وغذيت بالأمل والتطلعات.
والذي يبدو لي متميزا ومهما, صفات الرجل الصادقة وتجلى ذالك في عدم تخليه عن أفكاره وأهدافه الأساسية, بل تابعها خطوة بخطوة. لقد كان يستفيد من كل أمر يتمكن منه ويغتنم كل فرصة, وينتفع من كل حدث اعتيادي يقع في محيطه. ويأخذ أحسن الشئ من كل محنة, وحول العقبات التي اعترضته والمحن التي واجهته الى انتصارات معنوية وتقبل كل ذالك كشئ محتوم بكل هدوء وفلسفة نابعة من ذاته الرائعة والكم الهائل الذي لا ينفذ من الصبر والوفرة من الشجاعة الذي تميزت بها شخصيته. في هذه الناحية وحدها كان محمد حقا أنسانا متميزا-أنسانا فوق محيطه ,بل فوق كل عصره الذي عاش فيه. بالنسبة لمحمد لم يكن عظيما في وجوده الذاتي بل ان كل صفحة من القران تدل على ان كلية وجود الله وقدرته المطلقة قد خلقت أثرا مستمر وعميق في ذاته. لقد كان يشعر ان يد وقوة الله في كل شئ وفي كل مكان. وكان يعتبر هذه القوة مفزعة الى حد كبير ولا يحدها أي شئ في كافة النواحي. قوة تتحدى الوصف وتظهر جليا مدى تفاهة وعجز الإنسان تجاهها وفي أكثر من معنى كان الرجل موحدا. فما كان في خلجه متسع لأي إلهة أخرى. بالنسبة لمحمد لم يكن الله كيان شخصي ,بل صانع هذا الكون وكل الجنس البشري وكان الأمر الغالب والمسيطر على فكره وكيانه الكلي هو الله ودينه. وكل ذالك نابع من قلب ومركز كيانه وقد تجلى ذالك واضحا على مشهد قوامه ثلاثة عشر قرنا. ان محمد لا يحتاج الى كشف ,فالله والحقيقة –والحقيقة حول الله استولت على نفسه. حقيقة كانت الخمر* المركز القوي الذي سرى في كل