انهم المعتذرون بأن الزمان زمان قيظ وشدة، وزمان قلة الناصر وقوة العدو، فقعدوا يتعللون ويعتذرون أنهم الجبناء والبخلاء، أصحاب الألسنة الحداد على المجاهدين، ومقطوعي الألسنة على أعداء المجرمين.
فيالك من قسمة لو وعيها أهل الاسلام للحقوا بالمجاهدين وهم باكين صارخين: أن اقبلوا بنا، لأننا لو طردنا عن باب الجهاد لكنا من الزائغين عن الحق.
ويالك من آية عظيمة تكفي القلوب الطاهرة: ((لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعدما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم)).
﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم﴾
هذه الآية لا يمكن لقارئها إن أراد معناها أن يلغي ما حَدّث الصحابي الجليل كعب بن مالك عن نفسه، لأني لا أظن أحداً يقرأ حديث هذا الشاعر العظيم ثم لا يجد عبرات التأثر تنساح من عينيه، فدع الشاعر كعب بن مالك يلقي عظته للقلوب لعلها تلين قليلاً:- قال عبيد الله بن كعب بن مالك، وكان قائده من بنيه عندما عمي:- سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فقال كعب بن مالك: لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة غزاها إلا في غزاة تبوك، غير أني كنت تخلفت في غزاة بدر، ولم يعاتب أحد تخلف عنها، وإنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد عير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير معاد، ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حيت تواثقنا على الاسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكى في الناس منها وأشهر، وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزاة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قلما يريد غزوة يغزوها إلا ورّى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة، فغزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد، واستقبل سفراً بعيداً، ومفاوز، وعدواً كثيراً، فخلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة عدوهم، فأخبرهم وجهه الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله كثر، لا يجمعهم كتاب حافظ، قال كعب: فقل رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن ذلك سيخفى عليه ما لم ينزل فيه وحي من الله عز وجل، وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزاة حين طابت الثمار والظلال، وأنا إليها أَصعر، فتجهز إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون معه، فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم فأرجع ولم أقض من جهازي شيئاً، فأقول لنفسي: أنا قادر على ذلك إذا أردت، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى استمر بالناس الجد، فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم غادياً والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئاً، وقلت: أتجهز بعد يوم أو يومين، ثم ألحقه، فغدوت بعدما وصلوا لأتجهز فرجعت ولم أقض من جهازي شيئاً، ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئاً، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا، وتفارط الغزو، فهممت أن ارتحل فألحقهم وليتني أني فعلت، ثمّ لم يقدر ذلك لي، فطفقت اذا خرجت في الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم يحزنني أني لا أرى إلا رجلاً مغموصاً عليه في النفاق، أو رجلاً ممن عذره الله عز وجل ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم بتبوك: ما فعل كعب بن مالك؟ فقال رجل من بني سلمة: حبسه يا رسول الله برده والنظر في عطفيه، فقال معاذ بن جبل: بئسما قلت، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيراً، فسكت رسول الله صلى الله