تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الجواب:- ليت.

لكن حين يقبل أهل الإسلام أن يبقوا سخرة للكفرة، ويحكم بلادهم فراعنة وأكاسرة وقياصرة ولا يكون لهم من الأمر سوى عيش الدواب من أكل وشرب وفساد، وحين يصبح توحيد الله مجرد علاقة غيبية ولا صلة له بالحياة حينها يسمح لهم فرعون بهذا، بل ربما يمدح ذلك حين يرى أن المقدمين في هؤلاء يسبغون الشرعية على هذا الواقع، ويجبون على الناس إحناء الرؤوس أكثر مما هي محنية، ويزيدون في العطاء اخلاصاً له، حينئذ فلتنعم نفس فرعون، ولتقر عينه بهذه الرعية الفريدة من نوعها.

والحق أن المرء ليعجب من رفض الكفار لهذه الخساسة والدناءة ثم لا يأنف بعض المعممين واللحى من أن يجعلوا هذه ديناً لله تعالى الذي يقول:"ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنت الأعلون إن كنتم مؤمنين". لكن ﴿فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه، ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله الا الحق ودرسوا ما فيه، والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون، والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين﴾.

﴿إذ يريكهم الله في منامك قليلاً ولو أراكهم كثيراً لفشلتم وتنازعتم في الأمر ولكن الله سلم إن الله عليم بذات الصدور﴾

هذا هو دور القائد المسدد المهدي الرشيد، وهي منة أخرى من الله تعالى على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في بدر الكبرى.

فهذه رؤيا منامية وقعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم قبل المعركة ليحملها لأصحابها بشارة لهم، فقد تضائل عدد الكافرين فرآهم قليلاً لايهاب منهم، والعدد في حروب الأمس خاصة له دور في تحقيق غلبة أحد الطرفين، فحين يرى صف من الصفوف أن عدوه أكثر منه عدداً، وقتها يقع في نفسه من التهيب والخوف وضعف الإقدام، ثم يقع التنازع بينهم، فيفترقون في تقدير النتائج، فتصاب النفوس بالفشل والخوف، وهذا ماعصم الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم من الوقوع فيه، فلم يعد العدد له دور في هز النفوس وإرجاف القلوب.

وهذه الآية تبين الرابط بين رؤية القائد وقوله وبين أثر ذلك على الجند التابعين له، فهي رؤيا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولمن أثرها كان على الأصحاب:- "ولو أراكهم كثيراً لفشلتم وتنازعتم في الأمر".

﴿وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلاً ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمراً كان مفعولاً والى الله ترجع الأمور﴾.

هذا من اغراء الله تعالى للطائفتين، مؤمنهم وكافرهم، فحين التقى الطرفان صار أمر الكافرين في عددهم إلى قلة في أعين المؤمنين، وذلك تصغيراً لشأنهم لما في قلوبهم من الثقة بالله ووعد الله لنبيه بالنصر، وكذا رأى الكافرون عدد المسلمين وهم قلة في واقعهم إذ لم يروهم كثيراً حتى يستدرجوا إلى القتال والحرب، فتكون مقتلتهم وهزيمتهم، وهذا هو القضاء الذي أراده الله تعالى "ليقضي الله أمراً كان مفعولاً"، وقد وصف الله غرور الكافرين بكثرتهم في الآيات التالية بقوله: ﴿وأطيعوا الله ورسوله لا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين، ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطراً ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله والله بما يعملون محيط، وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم﴾

وهذا مع ما فيه من محادة لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم ومن يفعل ذلك فهو مغلوب ولا شك، إلا أنه قلة فقه وعمل في الحروب وادارتها، فإن العاقل البصير بأمر الحروب وتجاربها لا يستهين بعدده مهما كان قوياً أو كثيراً، ومهما

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٢٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٢٨