مثل هذه المرأة هو مثال بعضهم في رد الحق، وهو حالهم في ضعف الدليل، إذ يملؤون ضعف حججهم أمام الحق والدليل بأسماء يملأها الباطل عليهم كتسمية بعضهم بالقضاة أوكبار المفتين، أو المفكرين، وزادهم هذا الباطل سطوة أخرى هو المال والسلطة المقهورة بسلطان الباطل، ويزيد عليهم أشكال خاصة وسمات معينة، كلها لتملأ الحبط الذي يعيشونه.
الصورة واحدة يعرفها أهل العلم بالقرآن، وهذا الفقه القرآني لا غير، لا الفقه بمعناه الإصطلاحي، وبهذا الفقه يتجدد الخطاب القرآني في كل زمن، حيث يرى الفقيه أن ما يقع اليوم هو عين ما وقع في قصة القرآن فيسارع إلى إتخاذ موقف الحق والقرآن، وهذا شديد على النفوس لأن البعض من أصحاب التقوى الباردة يأنف أنه يرى في حياته موقعة يقارنها بموقعة لنبي من أنبياء الله، أو لولي وصحابي، ويمنعه من ذلك صور وهمية عن الإنسان في زمن القرآن، وظلمة تغشاه من عصره الذي يعيش فيه، وقد يعتريه الحسد والحقد واختلاف المشارب فلا يقبل أن يقال عن هذه الحوادث المعاصرة بشخوص يراهم، ويرى ضعفهم أو بعض أخطائهم وانحرافاتهم أنها عين ما وقع للصحابة رضوان الله عليهم، وهم في ذهنه وقلبه أشبه بالملائكة الذين يسيرون على الأرض، فلا يتصور منهم ما يتصور في الإنسان من مواقف وممارسات حياة بشرية، وكذلك يظن أن النفاق يستنكر في زمن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضوان الله عليهم، لأن نور النبي صلى الله عليه وسلم في ذهنه أجلى من أن يخفى، ولذلك فالنفاق مستنكر هناك، أما اليوم فالحال مختلط والضباب كثيف والمواقف متداخلة فلا ينبغي تسمية مخالف لموقف بالمنافقين، ولا تسمية المجاهدين بالمجاهدين، وهكذا تذهب عبرة وعظة القرآن، ويصبح مجرد كلمات تتلى لزمن ماض في هذا الجانب، ولا يصلح عند هؤلاء إلا للأحكام الشرعية العملية، لا المعاني القلبية، وهي في حقيقة الكتاب لا تقل أهمية عن جانب الأحكام الشرعية.
إن المنافقين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ومرضى القلوب لا يدفعهم لمواقفهم هذه التي يقولها القرآن عنهم بسبب شك في حق ما يقوله لهم من دين، بل إن سبب مواقفهم هو الثمن الباهظ الذي يلاقونه وهم يتبعون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو عين السبب الذي يدفع إخوانهم اليوم للوقوف في نفس المهيع والمسبعة.
لقد وقف تابعي يوماً لحذيفة بن اليمان موقفاً يدل على شيء من هذا المعنى، إذ ذهب به الخيال إلى أن الصحابة قصروا في حبهم وعطائهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلو كان الناس اليوم (في زمانه) هم من حضروا رسول الله صلى الله عليه وسلم لكان منهم أمر مختلف، هذا لتوهمه أن حب أهل زمانه لرسول الله صلى الله عليه وسلم يفوق الوصف، وذلك عن طريق التوهم الذاتي الذي تصنعه الأشعار الجميلة الرائعة فماذا قال له حذيفة رضي الله عنه؟. لنستمع لهذا الحوار الذي جرى وهو يدور حول موقف الصحابة رضي الله عنهم في غزوة الأحزاب وما لاقوه من الشدة التي كانت تضغط عليهم ضغطاً يعوقهم عن المواقف الحالمة التي يتخيلها هذا التابعي:-
قال محمد بن كعب القرظي: قال فتى من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان: يا أبا عبد الله، رأيتم رسول الله وصحبتموه؟
قال: نعم يا ابن أخي، قال: فكيف كنتم تصنعون؟
قال: والله لقد كنا نجهد.
قال الفتى: والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض، لحملناه على أعتاقنا.