وأغرب المطالب أن يتوجه بعض الناس إلى الإسلام بالاعتراض والتساؤل: لماذا لم تبق أيها الدين رسالة عائمة مطاردة تعرض على الناس ـ إن سُمح لها ـ وكأنها خيال حالم ، أو تفكير فيلسوف صغير ؟! لماذا تحولت أيها الدين إلى فكرة تمد جذورها فى أعماق المجتمع وتنشر أغصانها فى أرجائه ، وتصنع الأجيال الجديدة وفق ما تريد ، وتدفع عن ثمارها المغيرين والخطافين ؟. ومن الذين يتوجهون بهذا التساؤل ؟ الذين يتوجهون إلى الإسلام بهذا التساؤل ، هم الذين أقاموا دولة للوثنية تضيق الخناق على التوحيد ، ودولة للصليبية تطارد المخالفين لرأيها فى كل مكان ، وتسد أمامهم منافذ الفضاء . دولة ظلت ، ولا تزال ، طوال عشرين قرنا وهى عدو لدود لمن لا يقتنع بثالوثها وقرابينها وتفكيرها المعقد العجيب . هؤلاء وأولئك هم الذين أنكروا أن تقوم للإسلام دولة . وهم الذين صاحوا ـ بعد أن تكسرت أنيابهم وهى تحاول عض الإيمان المدرع ـ قائلين : إن هذه القوة لا معنى لها ويجب أن تبيد ! وردنا على هؤلاء وأولئك ، أن الدولة فى الإسلام ركن هائل لدعم ما احتواه من إيمان وإحسان . والقوة ليست عيبا . إنما العيب استغلالها السىء ، وتسخيرها لفرض الهوى وإقرار الجور. والجمال ليس عيبا . إنما العيب التوسل به لإشاعة الخنا ، ونشر المنكر . والسلطة ليست عيبا إذا باشر المرء بها أموره الخاصة ولم يحتج بها إلى تسول عون أو الاستصراخ بمنقذ . وتولي الحكم ، وإدارة دفته ليسا منقصة إذا كانا إنفاذا لأوامر الله وإقامة لحدوده فى الأرض . إن الدولة فى الإسلام تنظيم وحراسة ، وصون لتراث السماء وأمان لجماهير الناس ، وسياج حول الدماء والأموال والأعراض . ولم تكن الدولة ولن تكون فى هذا الدين ذريعة فتك واغتصاب ، ولا وسيلة فتنة واضطراب ، ولا أداة لتحويل الناس قسرا عن عقائدهم ، وما ارتضوه من ألوان الإيمان . والإسلام لم يجعل من الحكم قنطرة لإدخال الناس فيه كرها . ص _102
مع الله دراسات في الدعوة والدعاة · الصفحة ٩٦
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
مع الله دراسات في الدعوة والدعاةص ٩٦
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي