تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإذا ما تضخمت قبيلة ما وتشعبت فروعا كثيرة تمتع كل فرع منها بحياة منفصلة ووجود مستقل . ولا تتحد إلا فى ظروف غير عادية اشتراكا فى الدفاع عن الجماعة ، أو قياما بغارات بالغة الخطورة . ومن ثم نستطيع أن ندرك كيف تمكن "محمد" من أن يجعل نفسه فى المدينة ، على رأس جماعة من أتباعه ، كبيرة العدد ، آخذة فى النمو ، يتطلعون إليه زعيما وقائدا ولا يعترفون بسلطان غير سلطانه ، دون إثارة أى شعور من القلق أو خوف من التعدى على السلطة المعترف بها ، كما كان ينتظر أن يحدث فى مدينة إغريقية قديمة ، أو فى أى مجتمع منظم يماثلها . وهكذا باشر " محمد" سلطة زمنية كالتى كان يمكن أن يباشرها أى زعيم آخر مستقل مع فارق واحد ، هو أن الرباط الدينى بين المسلمين كان يقوم مقام رابطة الأسرة والدم . وعلي هذه الصورة أصبح الإسلام ـ ولو من الوجهة النظرية على الأقل ـ نظاما سياسيا بقدر ما هو نظام دينى " . واستطرد " سير توماس " يقول : " … كانت رغبة "محمد " ترمى إلى تأسيس دين جديد ، وقد نجح فى هذه السبيل . ولكنه ـ فى الوقت نفسه ـ أقام نظاما سياسيا له صفة جديدة متميزة تميزا تاما . وكانت رغبته ـ بادىء الأمر ـ مقصورة على توجيه بنى وطنه إلى الاعتقاد بوحدانية الله . إلا أنه ـ بجانب ذلك ـ عمل على هدم نظام الحكومة القديم فى "مكة" مسقط رأسه وإقامة حكومة دينية مطلقة ، وقام هو على رأسها خليفة لله فى الأرض بدلا من حكومة الارستقراطية القبلية ، التى كانت الأسر الحاكمة تتوزع سياسة الشئون العامة تحت لوائها " أ. هـ. * * * ولنا هنا تعليقات ينبغى إثباتها : صحيح أن قيام الدولة فى الإسلام شىء لم يكن منه بد ، بل هو فى الكيان الإسلامى نمو طبيعى يشبه تدرج الكائن الحى فى مراتب القوة والاكتمال وبلوغه مكانه يستطيع فيها إصلاح شئونه وتقرير حقوقه . ص _101

مع الله دراسات في الدعوة والدعاة · الصفحة ٩٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع الله دراسات في الدعوة والدعاةص ٩٥