وأما مثل اليهود فلا يصح أن يُسَمَّوا أهل فترة ، فإنهم على نسيانهم حظا مما ذكروا به وتحريفهم بعض ما حفظوا ، قد بقى جوهر دينهم معروفا لم يُغَش أحكامه ما يمنع الاهتداء بها . والله تعالى يقول: (وعندهم التوراة فيها حكم الله) . وكذلك المسيحيون لا يُسَمَّون أهل فترة ، لأن عندهم فى التوراة ووصايا الأنبياء ما عند اليهود وزيادة مما حفظوا من وصايا المسيح ، وروح الدعوة موجودة عندهم. ولكنهم لا يعملون بهذه الوصايا ، ولا يأخذون بتلك الأحكام ، ولا عذ ر لهم يحول دون العقوبة . وأما الصابئون فإن كانوا فرقة من النصارى كما يظهر من الوفاق بينهما فى كثير من التقاليد كالمعمودية والاعتراف وتعظيم يوم الأحد ، فالأمر ظاهر أن حكمهم كحكمهم وإن كان الخلط عندهم أكثر ، والبعد عن الأصل أشد . حتى إنهم اعتقدوا تأثير الكواكب ، وأحاطت بهم البدع من كل جانب . على أنهم أقرب إلى روح المسيحية من النصارى . فإن عندهم الزهد والتواضع اللذين يفيضان من كل كلمة تؤثر عن المسيح عليه السلام . والنصارى صاروا أشد أمم الأرض عتوا وطمعا وإسرافا فى حظوظ الدنيا . ويقال : إن الصابئة ملة مستقلة يؤمنون بكثير من الأنبياء المعروفين . ولكن قد اختلط عليهم الأمر ، كما اختلط على الحنفاء من العرب ، إلا أن عندهم من التقاليد والأحكام ما لم يكن عند العرب . فإن كانوا أقرب إليهم ، فلهم حكمهم ، و إلا فهم كاليهود والنصارى يسألون عن العمل بدينهم بعد فهمه كما يجب ، حتى يأتيهم هدى آخر ، كأن تبلغهم دعوة الإسلام فإن لم يفعلوا فهم مؤاخذون . ذلك ، وقد علمنا أن أهل الفترة هم الذين لم تبلغهم دعوة صحيحة تحرك إلى النظر ، أو بلغهم أن بعض الأنبياء بعثوا ولكن لم يصل إليهم شيء صحيح من شرائعهم ، فهم يؤمنون بهم إيمانا إجماليا كالحنفاء من العرب الذين كانوا يؤمنون بإبراهيم و إسماعيل ، ولا يعرفون من دينهما شيئا خالصا كما تقدم آنفا . ص _053
مع الله دراسات في الدعوة والدعاة · الصفحة ٤٨
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
مع الله دراسات في الدعوة والدعاةص ٤٨
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي