وذلك ـ فى نظرنا ـ أفضل من أن يقفوا على جثته يرسلون دموع التماسيح . * * * وكأن الله ألهم الفاروق "عمر" رضى الله عنه هذه الحقيقة عندما جعله يؤرخ بالهجرة لسير الإسلام فى الأرض . . إن هذه الهجرة تعنى أن المسلم يحيا لله ولرسوله ، ويربط مستقرة فى أى بلد بمقتضيات العقيدة التى ارتضاها ، فهو يتبعها حيث تزدهر وتؤتى ثمارها . وبَونٌ بعيد بين من يجعل نفسه وماله وأهله تبع إيمانه الأثير وغايته الرفيعة . ومن يحيا على أى وضع وفى أى ظل ! والغريب أن الله جعل العزة والسيادة للأولين ، ومكَّن لهم فى العالم بقدر ما خدموا دينه ، وأقاموا أمره ... على أن الجهاد العلمى أرفع رتبة وأسبق مكانة من الجهاد الحربى . فالناس ـ أولا ـ أحوج إلى من يُعرفهم الحق ، حتى إذا انشرحت به صدورهم تطلعوا إلى ما يستبقيه فيهم ، وإلى ما يثبتهم عليه ، وإلى ما يُورثه ذراريهم بعد انقضائهم ... فالحق أساس ، والجهاد حارس . وهبك زرعت حديقة يانعة الأثمار مهدلة الأفنان ثم أنشأت حولها سياجا يقيها السطو والاختلاس ، ما تظن قيمة هذا السياج إذا انقطع عن الحديقة الماء فذوى باسقها ، وجف مُخضلها ؟ . أو ما قيمة هذا السياج إذا أصابها إعصار فيه نار فاحترقت ؟ إن السياج عندئذ سيكون مضروبا حول صحراء لا خير فيها . . والعلماء عندما يكتبون ويخطبون ، وعندما يُرَبُّون ويتعهدون ، وعندما يحلون أو يرتحلون ، وعندما يدافعون ويجادلون ، إنما يغرسون فى النفوس حقائق الوحى وهدايات السماء ، ويَخلُفُون أنبياء الله جل شأنه على رعاية الخلق ، و إحسان قيادتهم ، وكفالة حاضرهم وغدهم . ص _416
مع الله دراسات في الدعوة والدعاة · الصفحة ٤٠٤
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
مع الله دراسات في الدعوة والدعاةص ٤٠٤
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي