تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فهو من هذا ومن تلك مقبل على منفعته ، مشغول بنفسه . ولو وقف "آزاد" هذا الموقف قبل ذلك بسنوات ، لقلنا : إنها فورة الشباب وثورة الصبا تدعوه إلى المغامرة وتحمله على التهور . ولو وقف "آزاد" هذا الموقف بعد ذلك بسنوات ، لقلنا : إنه يأس الشيخوخة ومرارة الهرم ، حملته على أن يخرج من الحياة من هذا الباب فى صورة بطل من أبطال التاريخ ! ولكن شاء القدر أن يتخير لـ "آزاد" هذا الموقف بالذات ، فى الوقت الذى يقبل فيه وإحدى قدميه فى دنيا الشباب والأخرى فى طريقها إلى عالم الهرم . . أراد القدر ذلك ليثبت فى سجل الإنسانية آية من آيات السمو البشرى ، ومثلا من أمثلة الإنسانية الرفيعة فى الإيمان بالحق والقيام فى وجه الظالمين الطغاة . على حين اشتدت نوازع النفسى وقويت رغبتها فى الحياة ، وفى وقت استغلظ فيه بأس الظالمين وجُن جنونهم بالانتقام والتنكيل ! وهكذا التقى "آزاد" وحيدا إلا من إيمانه ، أعزل إلا من روحه . التقى بالإمبراطورية الإنجليزية كلها ، بما كان لها إذ ذاك من قوة متحكمة فى العالم متسلطة على الشرق والغرب ، وما كان لها من رهبة مخيفة مفزعة تطوف على الناس بالاستكانة إليها واليأس من الخلاص منها . التقى "آزاد" بهذه الإمبراطورية سجينا فى قفص الاتهام ، يواجه قضاة لا يطمع منهم فى رحمة ، ولا ينتظر لديهم إلا ما ينتظر الحمل الوديع من مخالب الأسد . وتدور المعركة فى ساحة المحكمة ، فيشهد التاريخ أعنف معركة وأعجبها . . يسجل فيها "آزاد" نصرا حاسما للإنسانية ، به يتقرر مصيرها ، ويتحدد موقفها لأجيال عديدة مقبلة . وندع الموقف لآزاد ، يتلو علينا فيه من آياته ما تعنو له جباه الجبابرة ، وتستخذى له قوى البغى وأبالسة الثمر فى كل مكان ، على قدر ما تشتد به عزائم الرجال وتقوى نفوس المؤمنين . استقبل "آزاد" المحكمة ثابت الجأش ، ساكن النفس ، كأنما يسعى إلى موعد حبيب إليه ، مألوف عنده ، وساد المحكمة سكون رهيب . . قطعة "آزاد"

مع الله دراسات في الدعوة والدعاة · الصفحة ٣٣٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع الله دراسات في الدعوة والدعاةص ٣٣٢