تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بالدعاة يحسبون أن ما يقولون لغيرهم من علم إنما هو أمر يخص الخاطبين فحسب وقد يعنى الناس أجمعين إلا إياهم . إنهم نقلة فحسب ، إنهم " أشرطة مسجلة " أو " أسطوانات معبأة " تدور بعض الوقت ليستمع الناس إليها وهى تهرف بما لا تعرف ، ثم تودع أماكنها لتدار مرة أخرى إذا احتيج إليها . إن هذا الجماد الذى أنطقه الذكاء الإنسانى هو صورة للجماد الذى أنطقه الاحتراف ، أو للإنسان الكذوب الذى ينصح الجمهور بأمور هو أبعد ما يكون عنها ، وينفرهم من أشياء هو أقرب ما يكون للوقوع فيها . والدعاة الذين يَحْيَوْن على ذلك النحو المتناقض هم آفة الإيمان ، وسقام الحياة . وهم الثقل الذى يهوى بالمثل العليا ويمرغها فى الأوحال . والغضب الإلهى لا ينصب بعنف وقساوة على مرتكبى الخطايا بجهالة . إنه ينصب على أولئك الذين يقترفون الدنايا وهم يعلمون ، أو الذين يقترفونها وهم ينفِّرُون منها الآخرين . وذاك سر تشبيههم تارة بأنهم حمير ، وطورا بأنهم كلاب . ولم يوصمون بهذه الألقاب الشائنة ؟ ذلك أنهم تكذيب عملى للكلام الذى يلقون ، والمبدأ الذى إليه ينتمون . إنهم بمسلكهم دليل على أن الشهوة تغلب العقل ، والهوى يهزم الرشد . أى إنهم عذر قائم بين يدى كل مقصر ، وإياس من الصلاح الحق أمام بغاته من السامعين والمطلعين. وكثير من هؤلاء المنتسبين إلى الدين بألسنتهم ، الخارجين عليه بأعمالهم ، من يلون الدين برغبته ويمزج تعاليمه بشهوته . فهو ـ أولا ـ يتعرف ما يشتهى ، فإذا حدده ألبسه ثوب الدين ، وربما أقنع نفسه بأن شهوته هذه حق محض ، ثم سعى إلى بلوغها ، وكأنما هو يؤدى عبادة ولا يشبع نهمه ! وقد يقاتل دونها وهو يزعم أنما يقاتل عن دين . إن هذا الفساد المعقد عند نفر من الدعاة لعنة ماحقة ، وذاك سر تناولهم بأقسى عبارة : ص _155

مع الله دراسات في الدعوة والدعاة · الصفحة ١٤٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع الله دراسات في الدعوة والدعاةص ١٤٨