وانظر إلى هذا الدعاء يتزلف به النبى صلى الله عليه وسلم إلى ربه ، ويطلب إليه أن يوثق أواصره بكتابه : " اللهم أنا عبدك ، وابن عبدك ، وابن أمتك ، وفى قبضتك ، ناصيتى بيدك ، ماض فى حكمك ، عدل فى قضاؤك ، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك ، أو أنزلته فى كتابك ، أو علمته أحدا من خلقك ، أو استأثرت به فى مكنون الغيب عندك ، أن تجعل القرآن الكريم ربيع قلبى ، وضياء بصرى ، وذهاب حزنى ، وجلاء همى وغمى " . * * * 2ـ إصلاح النفس .. وهذا جهد لا ينفك عنه مسلم ، وهو بالدعاة ألصق . ولعل أولى هدايا الصلة الحسنة بالله أن يعرف المرء نفسه ، وأن تنكشف له نواحيها جميعا فلا يؤتى من ناحية يجهلها . أما الذين نسوا ربهم فهم فى عماء من أمر أنفسهم ، يخبطون فى الحياة خبط عشواء وينساقون على غير هدى . (ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون) . والداعية المشتغل بهداية الناس إنما يفعل ذلك على ضوء من إصلاحه لنفسه هو. فإذا أراد فطام العامة عن رذيلة البخل مثلا ، عالج أولا شح نفسه ، وتعرف إلى المراتب التى تدرج فيها والوسائل التى اصطحبها ـ وهو يستأصل من نفسه هذه الطبيعة ـ أو بتعبير أدق : وهو يكفكف شرها ويتوقى ضيقها . حتى إذا عرف ـ عن خبرة خاصة ـ ما الذى صنع بنفسه ؟ فإنه سوف يعرف ـ بصدق وقوة ـ ما يقول للناس ، وسوف يصل بكلماته ـ والحالة هذه ـ إلى صميم نفوسهم . إن نفس الداعية ، ينبغى أن تكون حقل تجارب . ومن النتائج المستفادة يعرف أفضل البذور ، وأنسب الأوقات ، وأجدى الأساليب. ومن صدق الداعية مع ربه ـ فى أخذ نفسه ابتداء بكل إصلاح ـ يكون مدى ما يصيب من توفيق فى عمله مع الناس . ومن أعجب النقائض فى دين الله ودنيا الناس : أن هناك نفرا ممن يتسمون ص _154
مع الله دراسات في الدعوة والدعاة · الصفحة ١٤٧
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
مع الله دراسات في الدعوة والدعاةص ١٤٧
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي