والله ما أعطيكم شيئا ولا أمنعكموه " . ص _145
بهذا وأمثاله كان يزرع هيبة الملوك والولاة فى صدور الناس ، وبهذا وأمثاله كان يبعث الرضا فى أفئدتهم عن الحكم القائم . أقول : وهذا الكلام يؤخذ به الحسن ولا يؤخذ عنه ، وهو لأول وهلة يشينه ولا يزينه ، فإن الأزمات الاقتصادية إذا أخذت بخناق الجماهير وتطلعت إلى حل يفك حلقاتها وكان فى التسعير ما يحد جشع التجار ، وينقذ جمهرة الناس ، لم يَسُغْ أن يقال لهم : حَرَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم التسعير . إن التسعير إجراء لا تطيقه الحياة المعتادة . ولكنه ـ فى إبان الحروب والنوازل ـ ضرورة يطالب بها الحاكم ولا يعذر فيها. ذلك ... وسياسة معاملة الولاة ـ كما يحكيها الحسن ـ لا تصور الحقيقة الدينية. بل هى ـ فى ظاهرها القريب ـ تنافى الإسلام ، وتهدم قواعد الحرية والعدالة التى شرعها وأخضع لها أعناق الحاكمين . وأين هذا الكلام الذى يقوله " الحسن" فى ترضية الناس بولاية " بنى مروان" من قول " عمر بن الخطاب " فى خطبته بالجابية : " أيها الناس : اقرءوا القرآن تعرفوا به ، واعملوا به تكونوا من أهله . إنه لن يبلغ ذو حق فى حقه أن يطاع فى معصية الله . ألا إنه لن يُبَعِّد من رزق الله ولن يقرب من أجل الله أن يقول المرء حقا ، وأن يُذكر بعظيم . ألا وإنى ما وجدت صلاح ما ولانى الله إلا بثلاث : أداء الأمانة ، والأخذ بالقوة ، والحكم بما أنزل الله . ألا وإنى ما وجدت صلاة هذا الحال إلا بثلاث : أن يُؤخذ من حق ، ويُعطى فى حق ، ويُمنع من باطل . ص _146