الدعوة وحملتها سألنى صديق : أليس لرجال الدعوة فى الإسلام تاريخ موجز أو مفصل يسرد أعمالهم ويقص جهادهم ، ويكشف عن أطراف الميدان الرحب الذى انساحوا فيه ، وبثوا تعاليم الإسلام فى أرجائه ؟ تدبرت هذا السؤال مليا ، وأعيانى الجواب السريع الشافى . فقلت : إن المقام يقتضى شيئا من الأناة فى الرد .. ذلك أن هناك من يرى الدعوة فى الإسلام فريضة شائعة وواجبا عاما كسائر الفرائض والواجبات التى نيطت بعنق الفرد . وأنها لا ترتبط بجهاز معين يختص بها ويسأل عنها ويكفى غيره مئونة الاهتمام وتقديم الحساب . أى إنه كما كلف المسلم بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، وكما كلف بالصدق والعفة ، كلف بنقل الإيمان إلى الأفئدة الفارغة وإرشاد الحيارى والتائهين إلى صراط الله المستقيم . فالدعوة إلى الله تشبه جملة الفضائل النفسية والتكاليف الشرعية التى لا ينفرد بها مسلم دون مسلم . ويظهر أن انعدام طبقة " الكهان والقساوسة " من المجتمع الإسلامى ، و إحساس كل تابع لهذا الدين بأنه رجل له ، محاسب أمام الله وحده عنه ، جعل انطلاق الإسلام فى المشارق والمغارب أثرا لهذا الشعور القوى . ومن ثم فليس هناك تاريخ خاص بالدعاة ، كما أنه ليس هناك تاريخ خاص للأمناء والأوفياء ، والمقيمين الصلاة والمؤتين الزكاة . نعم ، إن لبعض الناس فضل عناية بتوصيل القول ، ونشر العلم ، ورد الشبه . بيد أن التفوق العلمى عند نفر من المؤمنين لا يمس هذا العموم فى واجب البلاغ . ولا يزال انتشار الإسلام فى أعماق أفريقيا وآسيا راجعا إلى الجنود المجهولين من جماهير المسلمين الذين يعملون فى شتى الحرف ، والذين لم تشغلهم ضروب التكسب فى الدنيا عن رعاية أخرتهم فنشروا الإسلام بالإقناع والقدوة الطيبة . * * * ص _139
مع الله دراسات في الدعوة والدعاة · الصفحة ١٣٢
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
مع الله دراسات في الدعوة والدعاةص ١٣٢
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي