تاريخها ـ نظم سياسية أو اجتماعية تساند العقيدة بالبطش والجبروت ، وتدفع إلى الدخول فيها بالإرهاب والإكراه . ولسنا نعرف فى تاريخ المذاهب والديانات ملة يترقرق السماح فى روحها ، والأدب فى عرضها ، والعدل فى معاملة خصومها ، كما نعرف ذلك فى الإسلام . لكن بعض المستشرقين ، أو كثرتهم ، عندما تواجه هذه الحقيقة ، تحاول أن تتجاوزها دون تنويه بها ، أو تحاول ذكر أسباب مختلقة لها . وقد يجد بعضهم الجراءة من نفسه على المماراة فيها ، وتلمس شبه شتى لتعكير صفوها . ولما كانوا يدخلون مضمار البحث العلمى وفى صدورهم علل دفينة ، ولهم مأرب أخرى فلا عجب إذا اضطربت أحكامهم أشد الاضطراب ، خصوصا فيما يتصل بالرسالة وصاحبها . وماذا تنتظر من رجل يتناول الإسلام ابتداء وهو مقتنع بأن صاحبه دعى ؟ فإذا شدهته السيرة بأحداثها النقية شرع يدور حول نفسه باحثا عن مخرج يرضى به تكذيبه السابق ، لا عن مخرج ينسجم به مع منطق الأحداث . وماذا تنتظر من رجل لا يفهم إلا أن الفتح الإسلامى غارة لطلب المغانم ، وانتهاب الدنيا ، فإذا صدمه ما اتسم به الفتح من ترفع ورحمة نكس على رأسه ليصطاد إشاعة يجسمها ، أو خطأ يدندن حوله . ولا أدرى من ألوم وأنا أخط هذه السطور ؟! مؤرخينا الذين أولعوا بسرد الصغائر ، وتدوين كل تافهة وآبدة ؟ أم المستشرقين الذين ينقبون عن شىء ما ليرووا به حقدهم المرير على هذا الدين؟ خذ مثلا ، جنديا من الظرفاء فى جبهة فارس ، يظفر فى أعقاب المعركة بأقراص من الخبز الرقيق ، فيقول متفكها : لو لم نقاتلهم على هذا الدين لقاتلناهم على هذه الرقاق . هذه الفكاهة التى رأى مؤرخونا أن يثبتوها ، لأنهم مغرمون بتسطير الأخبار مهما تفهت ، يجىء مستشرق ما فيقول : ألم أحدثكم بأن أسباب الفتح اقتصادية ؟ ولو ظفر ثوار الجزائر بكعكة فرنسية لتحولت الحرب الاستعمارية حسب هذا المنطق إلى عدوان جزائرى ! ص _127
مع الله دراسات في الدعوة والدعاة · الصفحة ١٢١
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
مع الله دراسات في الدعوة والدعاةص ١٢١
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي