الأول : قوله (وهذا كفيه المشتغل بالعلم بما صنف فيه ) ، يقال عليه : إن كان التصنيف في الفن يوجب الاتكال على ذلك وعدم الاشتغال به فالقول كذلك في الفن الأول ، فإنَّ فِقهَ الحديث وغريبه لا يحصى كم صُنف في ذلك ، بل لو ادعى مدعٍ أن التصانيف التي جُمعت في ذلك أجمع من التصانيف التي جمعت في تمييز الرجال ، وكذا في تمييز الصحيح من السقيم لما أبعَد ، بل ذلك هو الواقع .
فإن كان الاشتغال بالأول مهماً فالاشتغال بالثاني أهم ، لأنه المرقاة إلى الأول ، فمن أخلَّ به خلط الصحيح بالسقيم والمعدَّل بالمجروح وهو لا بشعر ، وكفى بذلك عيباً بالمحدث .
فالحق أن كلاً منهما في علم الحديث مهمٌّ لا رجحان لأحدهما على الآخر .
نعم ، لو قال : الاشتغال بالفن الأول أهم ، كان مسلَّماً مع ما فيه .
ولا شك أن من جمعهما حاز القِدْحَ المُعَلّى ، ومن أخلَّ بهما فلا حظ له في اسم المحدث ؛ ومن حرر الأول وأخلَّ بالثاني كان بعيداً من اسم المحدث عرفاً . هذا لا ارتياب فيه .
بقي الكلام في الفن الثالث وهو السماع وما ذكر معه ، ولا شك أن من جمعه مع الفن الأول كان أوفرَ قِسماً وأحظَّ قَسْماً ، لكن وإن كان من اقتصر عليه كان أنحس(1) حظاً وأبعد حفظاً ؛ فمن جمع الأمور الثلاثة كان فقيهاً محدثاً كاملاً ، ومن انفرد باثنين منها كان دونه . وإن كان ولا بد من الاقتصار على اثنين فليكن الأول والثاني .
أما من أخل بالأول واقتصر على الثاني والثالث فهو محدثٌ صِرفٌ لا نزاع في ذلك .
(1) في بعض نسخ (النكت) : (أبخس) ، وفي تدريب الراوي نقلاً عن النكت (أخس) .