ولم أقصد إلى حصر ألفاظ الجرح والتعديل ، فهذا مما لا يتحمله هذا المقام ، ولم أر تتبع ذلك استقصاء مما له كبير فائدة ، وذلك أن منها ما يندر استعماله ، بل فيها ما لم يُستعمل إلا في الراوي الواحد ، ومنها الشائع المنتشر ، وهذا غالبه بَيِّن في دلالته اللغوية ، فالأصل أن تلك الألفاظ موضوعة على دلالاتها في كلام العرب ، ومنها ما يعرف بالمقايسة بما أذكر .
فإن كانت للفظ دلالة خاصة ، فالطريق إلى العلم بها أحد أمور ثلاثة :
الأول : بيانُ مستعمِلها أنه يعني بها كذا .
والثاني : دلالة قرينة في السياق على إرادة معنى معين .
والثالث : إفادة التتبع لاستعمالات الناقد لتلك اللفظة) . انتهى.
وقال في الهامش تعليقاً على قوله (ولم أقصد إلى حصر ألفاظ الجرح والتعديل) :
(ولسْتُ أرى ابتداع أمْرٍ كهذا أن يكون على سبيل الاستقصاءِ إلا مما يثْقُلُ به هذا العلمُ ، فإنَّ المتعرضَ له الناظرَ في مصطلحات أهْله المشتغل به ، المدمن للنظر في تراجم النقلة ، لا يحتاج إلى أن يُتكلف له تتبع مثل ذلك ، وهُو أمْرٌ لم يفعله المتقدمون ، إنما شرحوا من تلك العبارات ما يُشكل وما يكثُر ، وقد رأيت كتاباً حافلاً لشيخ فاضل جمع فيه تلك الألفاظ كالمستقصي ، لكني استثْقلته للمبتدئ ، واستبْعدتُ فائدته للمتخصص).
أقول : هذا الكلام فيه نظر من وجوه :
الأول : أن الناس - عند المحاققة - ليسوا منقسمين بالنسبة إلى علم الحديث إلى قسمين فقط : مبتدئ ومتخصص ؛ وإنما يوجد منهم بين هاتين المرتبتين من المراتب المتفاوتة ما لا يعلمه إلا الله؛ وأما تقسيمهم إلى مبتدئ ومتخصص أو مجتهد ومقتصد ، فذلك تقسيم إجمالي تقريبي قد يكون سائغاً مقبولاً في بعض المقامات ، مع أنه مرفوض في مقامات أُخَر، منها هذا المقام الذي نحن بصدد بيانه.