وقال الأستاذ الفاضل المحقق الألمعي محمود الطناحي رحمه الله في (محاضرة التصحيف والتحريف) المطبوعة بذيل (مدخل إلى تاريخ نشر التراث العربي) (ص289-291) :
(ولهم في الضبط طريقان :
الأولى : ضبط القلم ، كأن يُكتب على المفتوح فتحةٌ ، وعلى المرفوع ضمةٌ ، وتحت المجرور كسرةٌ ، فإذا كان في الحرف ضبطان رسَمُوهما ، وكتبوا بحرف صغير كلمة " معاً " ، وأمعن بعضهم في الدقة ، فرسم تحت الحاء المهملة حاءً صغيرة ، وتحت الدال المهملة نقطة ، وتحت السين المهملة ثلاث نقط ، وفوق الحرف المخفَّف كلمة "خف" ، إلى آخر هذه المصطلحات التي يعرفها من أدام النظر في المخطوطات القديمة .
والطريقة الثانية : ضبط العبارة ، وهو أن يَصِفَ الكاتبُ حروفَ الكلمة التي هي مظنة التصحيف ، بما ينفي عنها الاشتباه بأخواتها التي تتفق معها في الرسم ، فيقول ، مثلاً ، في "العتب" : "بالعين المهملة والتاء الفوقية والباء الموحدة" ، وبذلك لا تتصحف بكلمة "الغيث" ؛ وهذه الطريقة أدق ضبطاً ، وأقوم سبيلا ، إذ كان الضبط بالقلم عرضة للمحو أو التغيير---- .
ومما يتصل بهذه الوسائل : أنهم كانوا يلجأون إلى مخالفة المعروف من اللغة ، ليتوقَّوا وقوع غيرهم في التصحيف والخطأ ؛ قال أبو نصر الجوهري : "السعتر : نبتٌ ، وبعضهم يكتبه بالصاد ، في كتب الطب ، لئلا يلتبسَ بالشعير "(1) .
ومن ذلك أيضاً أنهم كانوا يشرحون الكلمة الواضحة الظاهرة ، لا لخفاء معناها ، ولكن لأنها مظنّةُ تصحيفٍ ؛ جاء في "النهاية في غريب الحديث والأثر) : "في حديث عمر رضي الله عنيه أن امرأةً نشزت على زوجها فحبسها في بيت الزبل" ، قال ابن الأثير : "هو بالكسر : السِّرْجين ، وبالفتح : مصدر "زبلتُ الأرضَ" إذا أصلحتَها بالزِّبل" ، قال : "وإنما ذكرنا هذه اللفظة مع ظهورها لئلا تُصَحَّف بغيرها ، فإنها بمكان من الاشتباه"(2) .
(1) الصحاح (ص685) ، وتحقيق النصوص ونشرها (ص65) .
(2) النهاية (2/294) .