تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن الذي دفع ابن حجر إلى اختيار هذا الترتيب - على ما أرى - هو أنه وجد باب نقد الصحابة من جهة أحوالهم في الرواية مسدوداً، فكلهم بإجماع من يُعتد به عدول ضابطون، ثم وجد تقسيمهم - من حيث الضبط الذي عندهم - إلى مرتبتين أو أكثر كما فعل في حق من سواهم من الثقات: صعباً عسيراً، بل إنه يكاد يكون مستحيلاً، فإنه لم يقْدرْ ولن يقدرَ عليه أحد من المحدثين، فأعرض عن التقسيم واضطر إلى جعلهم في مرتبة واحدة، ثم كأنه نظر فرأى نفسه بين خيارات ثلاثة:

أولها : أن يجعلهم في مرتبة الثقات التي هي عنده الثانية في مراتب توثيق من سوى الصحابة .

وثانيها : أن يجعلهم في التي قبلها ، وهي الأولى من ذلك.

وثالثها: أن يفرد لهم رتبة يجعلها فوق هاتين الرتبتين؛ ثم استقر رأيه على هذا الثالث ؛ وفيه من المحاسن أن لا يجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مع غيرهم في مرتبة من مراتب نقد الرواة، فإن إفرادهم بمرتبة تختص بهم هو الأنسب الأكمل، وفيه من المحاسن أيضاً أن لا يقدَّم غيرهم من الرواة عليهم، ولا لوم على ابن حجر في هذا الصنيع ، فإن أغلب الصحابة أكثر ضبطاً وإتقاناً من أغلب الذين وصفهم النقاد بـ "أوثق الناس" أو "ثقة ثقة" أو نحوهما من ألفاظ المرتبة الثانية من مراتب (التقريب)، والحكم الإجمالي إنما يكون للغالب كما هو مقرر معروف.

وكيف لا يكون الصحابة أحسن ضبطاً من سواهم لما أخبروا به عن نبيهم صلى الله عليه وسلم وهم أخوف الأمة من أن يحدثوا بما لم يتقنوه إتقاناً تاماً ويضبطوه ضبطاً محكماً، وأبعدهم عن أن يحدثوا بما شكوا فيه أو ترددوا؛ وليس المقصود بالضبط والإتقان عند المحدثين سعة الحفظ وتعاظم المحفوظات ، وإنما المقصود به التثبت وأن لا يروي الراوي إلا ما حفظه وأن يؤديه كما سمعه وأهل الضبط بهذا المعنى - لا بالمعنى الأول - يتفاوتون، وهل يخطر ببال أحد من المنصفين العارفين أن ثم من يسبق الصحابة في هذا المعنى ؟!

لسان المحدثين · الصفحة ٨٦٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

لسان المحدثينص ٨٦٥