ووجه الإشكال هاهنا : كيف يجتمع الحُسْن والغرابة ، مع أن الترمذي اعتبر في الحسن تعدد الطرق ؟ كيف يكون غريباً والأمر كذلك ؟ .
وقد حاول الشيخ عبد الحق الدهلوي في (شرح المشكاة ) رفع هذا الإشكال فقال : ( ويجيبون بأن اعتبار تعدد الطرق في الحسن ليس على الإطلاق ، بل في قسمٍ منه ، فحيث حكم باجتماع الحسن والغرابة ، فالمراد قسم آخر .
وقال بعضهم : أشار بذلك إلى اختلاف الطرق بأن جاء في بعض الطرق غريباً وفى بعضها حسناً .
وقيل : الواو بمعنى أو بأنه يشكُّ ويترددُ في أنه غريب أو حسن لعدم معرفته جزماً .
وقيل : المراد بالحسن هاهنا ليس معناه الاصطلاح ، بل اللغوي ، بمعنى ما يميل إليه الطبع ، وهذا القول بعيدٌ جداً ) اهـ .
قلت : بل الأقوال كلُّها بعيدة عن مراد الترمذي بهذا الإصطلاح ، سيما وقد أوضح هو معناه في ثنايا تعقيبه على الأحاديث التي حكم عليها بأنها ( حسن غريب ) .
والظاهر أن الذي اختاره الشيخ عبد الحق الدهلوي هو الأول في كلامه ، وهو أبعدها عن مراد الترمذي لأمرين :
( أولهما ) أنه لم يأخذ في اعتباره رسم الحسن عند الترمذي ، وأنه يشترط فيه تعدد الطرق ؛ بقوله ( يروى من غير وجهٍ ).
( ثانيهما ) أن الترمذي كثيراً ما أورد هذا الاصطلاح مقروناً بقوله ( وقد روى من غير وجه نحوه ) ، وبقوله ( وفي الباب عن فلان ) ، وهذا أقوى البراهين على إرادة الترمذي بقاء رسم الحسن على إطلاقه ؛ أطلق اللفظ أو قرنه بالغرابة أو الصحة أو هما معاً .
واعتبر ما قلناه بأقوال الترمذي نفسه ، تعقيباً على الأحاديث التي هذا حكْمُها عنده ، فمن ذلك :
( أولاً ) خرَّج حديث قبيصة بن حريث عن أبى هريرة ( أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة ) ، فقال عقبه : ( هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه . وقد رُوي هذا الحديث من غير هذا الوجه عن أبى هريرة . ورُوى عن أنس بن حكيم عن أبى هريرة عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ) اهـ .