وأما الثانية : فقد يكثر الجارحون فيغلب على الظن صحة جرحهم وإن أجملوا ؛ وقد لا تحصل غلبة الظن إلا بالدرجة الثانية من الجرح وهي بيان السبب ؛ وقد لا تحصل إلا بأزيد منها مما مر بيانه .
وإذا كان القاضي متمكناً من الاستفسار لحضور الجارح عنده أو قربه منه فينبغي أن يستوفيه على كل حال لأنه كلما كان أقوى كان أثبت للحجة وأدفع للتهمة .
وأما الأولى : فينبغي أن لا يكفي جرح مجمل ولو مع بيان السبب ، بل يحتاج إلى بيان المستند بما يدفع ما يحتمل من الخلل .
وأما الراوي فحاله مخالفة للشاهد فيما نحن فيه من أوجه :
الأول : أن الذين تكلموا في الرواة أئمة أجلة ، والغالب فيمن يجرح الشاهد أن لا يكون بتلك الدرجة ولا ما يقاربها .
الثاني : أن الذين تكلموا في الرواة منصبهم منصب الحكام ، وقد قال الفقهاء : إن المنصوب لجرح الشهود يكتفى منه بالجرح المجمل .
الثالث : أن القاضي متمكن من استفسار جارح الشاهد كما مر ؛ والذين جرحوا الرواة يكثر في كلامهم الإجمال ، وأن لا يستفسرهم أصحابهم ، ولم يبق بأيدي الناس إلا نقل كلامهم ، ولم يزل أهل العلم يتلقون كلماتهم ويحتجون بها .
وبعد أن اختار ابن الصلاح اشتراط بيان السبب قال :
(ولقائل أن يقول : إنما يعتمد الناس في جرح الرواة ورد حديثهم على الكتب التي صنفها أئمة الحديث ---- وقلَّ ما يتعرضون لبيان السبب بل يقتصرون على ---- فلان ضعيف وفلان ليس بشيء ونحو ذلك---- فاشتراط بيان السبب يفضي إلى تعطيل ذلك وسد باب الجرح في الأغلب الأكثر .