تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإن احتجت هذه الطائفة من المتأخرين أو احتُجَّ لها بقاعدة (لا مشاحة في الاصطلاح) ، فالذي ينبغي أن يقال لهم حينئذ إنما هو : ( لا نشاححكم أيها المتأخرون فيما اصطلحتم عليه ولكن بينوا اصطلاحكم البيان الكامل الوافي وانسبوه لأنفسكم وحْدَكم ، لا للقدماء ، ولا لعامة المحدثين ، وصرحوا بتلك النسبة ليزول الإيهام بإغفالها ، وافهموا مصطلحات القدماء واعلموا ما بينها وبين مصطلحاتكم من فرق وتفاوت ، واعتبروه في دراساتكم ؛ وبينوا ذلك لطالبيه ؛ فإن أبيتم ذلك فليس لكم أن تُحْدثوا اصطلاحاً جديداً ، كما أنه ليس لكم أن تُحدثوا شرحاً لأي مصطلح حديثي ، يغاير ما شرحه به أهلُه ، فإننا لا نقبل شرح مصطلح إلا بلسان أهله)(1) .

ثم إن القاعدة المذكورة ليست على إطلاقها ، وقد أشار إلى نقض كلية هذه القاعدة العلامة د. بكر أبو زيد شفاه الله وحفظه في رسالته (المواضعة في الاصطلاح على خلاف الشريعة وأفصح اللغة ) والتي بين فيها ضرورة الالتزام بالمصطلحات الشرعية في جميع ما يحدث في العلوم والحياة ، وتجنُّب كل مصطلح غريب وافد على الأمة الإسلامية ، لما في هذه المصطلحات الغريبة الدخيلة من أثر سيء ، على المسلمين ، في دينهم ولغتهم(2) .

(1) وهذا يذكّرُنا قولَ شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى إذ قال: (ومن أعظم أسباب الغلط في فهم كلام الله ورسوله أن ينشأ الرجل على اصطلاح حادث ، فيريد أن يفسر كلام الله بذلك الاصطلاح ويحمله على تلك اللغة التي اعتادها) [مجموع الفتاوى 12/106].

(2) ولمحمد الثاني بن عمر بن موسى بحث لطيف في مجلة الحكمة (22/281-317) أسماه (التقييد والإيضاح لقولهم لا مشاحة في الاصطلاح)؛ قال في أوائل بحثه :

(وقد شاع في كتب أهل العلم قاعدةُ (لا مشاحة في الاصطلاح) ، وهي قاعدة لا بد من بيان حدودها ،وتخصيص عمومها ونقض اطّرادها .

ومعروفٌ أنه ليس كل مصطلح مقبولاً إلا بحجة [كذا، والأحسن وضع كلمة (ليس ) عقب كلمة (مصطلح)] ؛ كما قال الحافظ الذهبي في ترجمة أبي سعيد أحمد بم محمد بن زياد المعروف بابن الأعرابي ) (ت340هـ): (وكان ابن الأعرابي من علماء الصوفية ، فتراه لا يقبل شيئاً من اصطلاحاتهم إلا بحجة) [سير أعلام النبلاء 15/410].

وقد وضع بعضُهم هذه القاعدة في غير موضعها ، وسوغ كلَّ ما يشار إليه بأنه اصطلاح ، ولو كان يتضمن فساداً ظاهراً، إذ ان لبعض الاصطلاحات جناية على الشريعة.

كما حمل بعضُهم بعضَ النصوص الشرعية من الكتاب والسنة على مصطلحات حادثة، فوقعوا بسبب ذلك في غلط عظيم).

لسان المحدثين · الصفحة ١٥٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

لسان المحدثينص ١٥٤