تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإذا اشتبه علينا تعبيرٌ مؤلفٌ من لفظتين اصطلاحيتين ، فاحتمل أن يكون مصطلحاً مركباً منهما ، واحتمل أيضاً أن يكون غير مركب ، وإنما هو تعبير متألف من لفظتين اصطلاحيتين قد حافظت كل منهما ضمن ذلك التعبير على معناها المعروف لها ، ثم احتمل هذا الاحتمال الثاني أن تكون العلاقة بين تلك اللفظتين هي العطف ، أي تكون ثانيتهما معطوفة على أولاهما بحذف حرف العطف المفيد للجمع وهو ( الواو ) مثل ( حسن غريب ) ، فيكون حرف العطف هذا مقدراً ؛ أو احتمل أن تكون العلاقة بينهما العطف بحرف الشك والتردد ( أو ) ؛ فعلينا حينئذ إذا أردنا استقراء ذلك التعبير لتعيين معناه عند من استعمله من المحدثين : أن نقوم بثلاث مرات من الاستقراء مبنية على ثلاثة اعتبارات :

فنقوم أولاً باستقراء كل واحدة من اللفظتين على حدة ؛ وهذا في الحقيقة استقراءان ، وليس هو استقراءاً واحداً .

ثم نستقرئ التعبير الكلي باعتباره مؤلفاً من اللفظتين الاصطلاحيتين متعاطفتين بحرف العطف ( الواو ) .

ثم نكرر هذا الاستقراء الأخير ، ولكن بناء على احتمال أن حرف العطف هو ( أو ) .

وبعد ذلك فإنه إذا ظهر لنا أن هذا التعبير يحتمل أن يكون مفيداً معنى مركباً آخر غير معنى العطف الجمعي والعطف الترددي ، فحينئذ نكرر - ولا بد - استقراءً آخر من أجل هذا الاعتبار الجديد ؛ أي من أجل التوصل إلى صحة هذا الاحتمال ، أو عدمها ؛ ومن أجل معرفة المعنى الدقيق لهذا الاحتمال أي الأخير نفسه ، على افتراض انتهاء الاستقراء إلى ثبوت صحته أو رجحانه .

وبعد ذلك كله سيتبين لنا - بعد ملاحظة كل القرائن القريبة والبعيدة وكل الاحتمالات الواردة - صحة بعض تلك الاعتبارات المفترضة دون غيرها . والله أعلم(1) .

(1) ثم وجدتُني قد كتبت - أو نقلتُ بتصرفٍ - في بعض مسوداتي هذه الكلمة التي أحببت إثباتها هنا ، تكميلاً للإيضاح:

(إذا ورد في العبارة جمع بين لفظتين اصطلاحيتين مثل ( حسن صحيح ) أو ( حسن غريب ) ، و ( ثقة صدوق ) ، و ( صدوق فيه لين ) و ( صالح فيه ضعف ) ، و ( صحيح مرفوع ) و ( عدل ضابط ) فإنه لا يلزم أن يكون معنى كل لفظة من هاتين اللفظتين ضمن هذا الجمع هو معناها عند انفرادها ، بل قد يظهر أن مدلول أحدهما أو كليهما قد تأثر بهذا التركيب ، وأن هذا المركب ليس جمعاً بين اصطلاحين ، أي أن معناه غير المعنى الحاصل من الجمع بين المعنيين الاصطلاحيين لتلك اللفظتين وإنما هو مصطلح واحد مركب دخل في تركيبه كلمتان اصطلاحيتان ، وأن كلاً منهما قد حافظت ضمن هذا التركيب على أصل - أو بعض - معناها الاصطلاحي دون جميعه ، والفصل في هذه المسائل يحتاج إلى الدراسة الاستقرائية الوافية) .

لسان المحدثين · الصفحة ١٤٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

لسان المحدثينص ١٤٨