والحاصل أنه إذا قيل في الراوي : (ليس بثقة) فالمتبادر جرح شديد ؛ ولكن إذا كان هناك ما يشعر بأنها استعملت في المعنى الآخر - أي نفي المعنى الاصطلاحي - حملت عليه ، وهنا تكون هذه الكلمة محتملة لمعاني عديدة، وبعبارة أخرى فإنها تتسع لتشمل كل من هو دون الثقة توثيقاً تاماً أو شبه تام.
وإما إذا قيل : (ليس بثقة ولا مأمون) ، أو (ليس بثقة ولا يكتب حديثه) ونحو ذلك ففي مثل هذه الحال يتعين الجرح الشديد(1).
وقال عبد الله بن يوسف الجديع في (تحرير علوم الحديث) (1/623-625) في بيان معنى قول المحدثين (ليس بثقة) :
(هي عبارة جرح ، قلَّ أن تجدها مقولة في راوٍ إلا وهو شديد الضعف : متروكُ الحديث ، أو متهم بالكذب ، أو كذَّاب معروف ، خصوصاً في كلام يحيى بن معين والنسائي ، وقد أكثرا منها.
لكن ليس ذلك بإطلاق ، فقد وقعت منهم في جماعات من الرواة الضعفاء ، أو ممن في حفظهم بعضُ اللِّين ، وإنما تبيَّن ذلك بدراسة أحوال أولئك الرواة ممن قيلت فيهم هذه الكلمة .
مثلُ ما قال بشر بن عمر : سألت مالك بن أنس عن محمد بن عبد الرحمن الذي يروي عن سعيد بن المسيب ؟ فقال : " ليس بثقة " ، وسألته عن صالح مولى التوأمة ؟ فقال : " ليس بثقة " ، وسألته عن أبي الحويرث ؟ فقال : " ليس بثقة " ، وسألته عن شعبة الذي روى عنه ابن أبي ذئب ؟ فقال : " ليس بثقة " ، وسألته عن حرام بن عثمان ؟ فقال : " ليس بثقة " ، وسألت(2) مالكاً عن هؤلاء الخمسة ؟ فقال : " ليسوا بثقة في حديثهم "(3) .
(1) انظر (التنكيل) (1/72-73 طبعة دار الكتب السلفية القاهرة).
(2) لولا أن هذا النص مثبت في كتاب مسلم لغلب على ظني أن الواو هنا زيدت خطأ من بعض النساخ .
(3) تتمة كلامه : (وسألته عن رجل آخر نسيت اسمه فقال : هل رأيته في كتبي؟ قلت : لا ، قال : لو كان ثقة لرأيته في كتبي). وهذا الأثر أخرجه مسلم في (مقدمة صحيحه) (ص26) في (باب بيان أن الإسناد من الدين----) ، وإسناده صحيح.
ومحمد بن عبد الرحمن هو ابن لَبيبة ، وأبو الحويرث اسمه عبد الرحمن بن معاوية ، وشعبة هو ابن دينار مولى ابن عباس .