هكذا جزما بهذا في هذا الموضع وأطلقاه، ومثله قولهما في (2/335-336)، ولكنهما قيداه في مواضع أخرى بالغلبة أو الكثرة إذ قالا (2/87) : (وقال النسائي : "لا بأس به" وهو شيخه، وهذه اللفظة غالباً ما يطلقها النسائي على شيوخه الثقات تحرياً(1) ) .
وقالا (1/73) فيها : (وهذا التعبير كثيراً ما يستعمله النسائي لشيوخه الثقات الذين يرتضي حديثهم بدليل قوله في موضع آخر : ثقة ) .
ولم يجزما حيث قالا (2/282) : (ولعل النسائي يستعمل (لا بأس به) لتوثيق شيوخه كما بينّا غير مرة ) ؛ وانظر (التحرير) (1/62 و 64) .
فمستندهما في ذلك إذن هو تنوع عبارات النسائي في راو بعينه في كثير من الرواة، وليس فيه على مدعاهما كبير دلالة؛ بل ليس هذه الدعوى هنا بأولى من أن تعكس فيدَّعى أن مراد النسائي بلفظة (ثقة) أحياناً هو معنى لفظة (لا بأس به) عند الجمهور، فيكون النسائي ممن يستعمل كلمة ثقة بمعنى وصف الراوي بالقبول العام الشامل لمرتبتي الصحة والحسن ؛ أو أَن النسائي يفرق بين لفظتي (ثقة) و (لا بأس به) ولكنه كان أحياناً يتجوز - أو يتسهل - فيطلق على من هو لا بأس به عنده كلمة (ثقة).
وكذلك ليست تلك الدعوى بأولى من أن يقال : لعل النسائي كان أحياناً يتردد في الراوي فيصفه مرة بأنه ثقة ومرة بأنه لا بأس به، وعلى هذا فمن قال فيه مرة : ثقة ، ومرة : لا بأس به، يكون أحسن حالاً ممن لم يزد فيه على كلمة (لا بأس به) .
ولكن كلاً من هذه الدعاوى الثلاث لا تقبل إلا بدليل مقبول.
(1) أليس تحري الإمام النسائي للدقة في التعبير هو الأليق به وبإمامته في هذا الفن؟ ؛ ثم إن قولهما (تحرياً) لا تصريح فيه بمرادهما ، ما الذي كان يتحراه النسائي عندما يصف شيخه الذي يراه ثقة وثاقة تامة بأنه (لا بأس به)؟!