ثم يأتي ما نقله الذهبي عن البخاري ، ليبين لنا أن الذهبي كان معتمداً في فهمه لكلام البخاري على هذه العبارة ، لا على الاستقراء المدَّعى . وقد أجبنا آنفاً بعضَ الجواب عن عبارة البخاري التي نقلها الذهبي ، وبيّنا ما يحوم حولها من الشكوك ، وما يحيط بها من الاحتمالات ، وما يعارضها ويعترضها من الإشكالات !!!
أما أن يبقى طلبة العلم على هذا المنهج ، وهو التسرع إلى دعاوى استقراءٍ ينسبونها إلى العلماء ، فماذا سيفعلون إذا اختلف العلماء ؟!
إذ لقائل أن يقول إن الحافظ ابن حجر قد استقرأ كلام البخاري ، فخرج بنتيجةٍ تقول عن قول البخاري ( فيه نظر ) : ( وهذه عبارته فيمن يكون وسطاً ) كما في بذل الماعون له (117).
فماذا ستقول يا من اعتاد أن يدّعي الاستقراء لأي عبارة أطلقها أحدُ أهل العلم ؟!
الوقفة الثالثة : أما كلمة البخاري التي نقلها الذهبي فقد نقلها المزي بلفظ آخر ينبغي الوقوف الطويل عنده ومعه .
فقد قال المزي في تهذيب الكمال - ترجمة عبد الكريم بن أبي المخارق - (18/265) : ( قال الحافظ أبومحمد عبدالله بن أحمد بن سعيد بن يربوع الأشبيلي : بيّن مسلم جرحه في صدر كتابه . وأما البخاري فلم ينبه من أمره على شيء ، فدلّ أنه عنده على الاحتمال ، لأنه قد قال في التاريخ : كلّ من لم أُبين فيه جَرْحة فهو على الاحتمال ، وإذا قلت : فيه نظر ، فلا يُحتمل ).
ولم أقف على هذه العبارة في تاريخي البخاري ( الكبير والأوسط ) ، ولو كانت في واحدٍ منهما في نُسخ الكتابين في عصر المزي ، لكان المزي من أولى الناس اطلاعاً عليها فيهما ، ولما افتقر في نقله لها إلى هذا الحافظ الأندلسي .