﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ ((1)) ، فجمع بين الاسمين : اسم ( الإله ) واسم ( الرب ) ، فإنَّ ( الإله ) هو المعبود الذي يستحقُّ أن يُعبد ، و( الربُّ ) هو الذي يَرُبُّ عبدَه فيدبِّره ، ولهذا كانت العبادة متعلِّقَةً باسمه ( الله ) ، والسؤال متعلقا باسمه ( الرَّبّ ) فإنَّ العبادة هي الغاية التي لها خُلِقَ الخَلْق ، والإلهية هي الغاية ، والربوبية تتضمَّن خلق الخلق وإنشاءهم ، فهو مُتضمِّنٌ ابتداء حالهم ، والمُصَلِّي إذا قال : ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ ((2)) فبدأ بالمقصود ، الذي هو الغاية على الوسيلة ، التي العبادة غاية مقصودة ، والاستعانة وسيلة إليها ، تلك حكمة وهذا سبب ))((3)) ، ومن ذلك قوله تعالى : ﴿ إِنَّ الله غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ((4)) ، فقد جاء في سورة الأنعام : فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } ((5)) ، وعلَّل الكرماني ذلك بـ : (( أنِّ لفظ ( الرَّب ) تكرَّر في ( الأنعام ) مرَّاتٍ ، ولأنّ في ( الأنعام ) قوله : ﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَات ﴾ ((6)) وفيها ذكر الحبوب والثمار ، وأتبعها بذكر الحيوان من الضأن والمعز والإبل ، وبها تربية الأجسام ، فكان ذكر ( الرَّبِّ ) فيها أليق )) ((7)) ؛ ولأجل هذا قال البيضاوي في قول موسى لقومه : ﴿ إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ ﴾ ((8)) : إنَّ ( موسى ) خصَّ اسم ( الرَّبِّ )؛ لأنَّ المطلوب هو الحفظ والتربية ((9)) . ونبَّه ( الطيبي ) إلى مراعاة هذه الإيحاءات عند اختيار المفردة ، حين علَّلَ العدول إلى لفظة (بارئكم ) في قوله تعالى : ﴿ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ ﴾ ((10)) ، فقال : ( ذِكْرُ البارئ هنا دون سائر الصفات مناسب للمقام ، لأنَّ معناه : الذي خلقهم أبرياء من التفاوت ، وهو نعمة جسمية ، وكان من حقِّ الشكر أن يخصُّوا مَنْ له هذه الصفة بالعبادة دون
(1) سورة الفاتحة : الآية
(2) .
(2) سورة الفاتحة : الآية (5) .
(3) مجموع الفتاوى (10/ 284) .
(4) سورة البقرة : الآية (173) .
(5) سورة الأنعام : الآية (145) .
(6) سورة الأنعام : الآية (141) .
(7) أسرار التكرار في القرآن (1/39) ، وينظر : قطف الأزهار (1/ 375) .
(8) سورة غافر : الآية (27) .
(9) ينظر : تفسير البيضاوي (5/90) .
(10) سورة البقرة : الآية (54) .