لئلا يواجه الرسول عليه الصلاة والسلام بنسبة القلى اليه وان وردت هذه النسبة في سياق النفي (( (1) )) ، أما التوديع فالذكر فيه تكريم للمخاطب فيحسن ذكر المفعول مع أفعال التكريم وحذفه مع أفعال السوء ولو بالنفي . وهكذا يوجه الله تعالى المسلمين لأدب الكلام ويعلمنا كيف نخاطب الذين نجلهم ونحترمهم . ولقد جمعت هذه الآية التكريم للرسول من ربه مرتين مرة بذكر المفعول مع فعل التوديع ومرة بحذف المفعول مع الفعل قلى (( (2) )) ، قال الآلوسي : لنفي صدوره من الحق سبحانه وتوجهه للرسول الكريم (( (3) )) .
وواضحٌ أن الأولى القول بكل ما قيل علَّة ً لهذا التعبير ؛ إذ إن طول الفقر مرعيٌ في التعبير القرآني وكذلك تناسب الفواصل من غير أن يكونا سبباً في فعل ما تجيزه اللغة أو تجعله ضرورة كما في الشعر ، فكل ما روعي فيه هذين الجانبين أعني تناسب الفقر بالطول ورعاية التوافق الصوتي في الفاصلة إنما جاء على أساليب العربية في معهود كلامها ، كما هي الحال ثمت ، فمع ملاحظة هذين السببين روعي أن يكون ذلك موجوداً في العربية لجواز الاستغناء عن العائد لتقدم ذكره اولاً ، لكن ما يجب أن يؤكد هنا أن هذه التعليلات
( مراعاة الفاصلة وتناسب طول الفقروطول الآية ) ، إنما تجوز التعبير
لا تعلله ، بمعنى أن من علَّل التعبير بهذه إنما قال لنا إن هذا الأسلوب في التعبير جائز عربيةً بمعنى الصحة . والتفسير البياني يجب ألا ينظر إلى التجويز بين الاسلوبين بقدر نظره إلى علة الاختيار لاسلوب ما من بين عدة أساليب وفقاً لسياقه ومقتضى الحال الذي قيل فيه ، وإلا كان عملنا مقصوراً على تأكيد الصحة النحوية دون بلاغة الكلام ؛ لأن البلاغة : مطابقة الكلام لمقتضى الحال مع فصاحته ؛ لذلك كان الوجه الرابع من هذه الوجه ( لئلا يواجه الرسول عليه الصلاة والسلام بنسبة القلى اليه وان وردت هذه النسبة في سياق النفي ) هو أولى لأنه جاء في سياق تطمين الرسول صلى الله عليه وسلم ورفع ما قد يكون في نفسه من ضيق ٍ لتأخر الوحي عنه ، ذاك أن المتأمِّل في مادة ( ودع )
و ( قلى ) في معاجم العربية (( (4) )) ليخرج بالآتي :
ودع…فراق…بين الأحبة في الغالب…يرجى اللقاء بعده…فعل يأتي في سياق الألفة والمودة والتحبب
(1) ينظر : تفسير الآلوسي 23 / 3 .
(2) ينظر : لمسات بيانية نصوص من التنزيل 1 / 243.
(3) ينظر : تفسير الآلوسي 23 / 3 .