تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذا ما حدا بعلماء الحديث أن ينشئوا علماً متميزاً في تصنيف الروايات وبيان درجاتها من الصحة ومشكل آثارها ومختلفها، إذ ألف الإمام الشافعي في اختلاف الحديث، والطحاوي في مشكل آثاره، وابن قتيبة في غريبه، ثم اتفقوا على أن من الحديث ماهو صحيح معتمد في نصه هو ما رواه الثلاث العدول الذين نفوا عنه تبديل المبطلين وتحريف الغالين، ثم صنفوا درجات، مما يقارب الصحيح اصطلحوا عليها بالحديث الحسن وأغلبه من روايات الآحاد، وإن كان في خبر الآحاد، أيضاً، ماهو صحيح، غير أنّ من أحسن ماقاموا به هو تنقية الحديث من كل ما نسب إلى الرسول كذباً سواء كان عن طريق الخطإ أو النسيان أو عن طريق الوضع المتعمد، ثم بينوا أن شر الموضوع هو ما اكتسب ثقة الناس بسبب حسن ظنهم بروايته أو ميلهم إلى مدلوله، فذلك شنعوا على أبي عصمة المَرْوَزي وضعه للأحاديث في فضائل سور القرآن.

وأن هذه التصفية والحرص على ضبط أسانيد الحديث ومتونها مكَّنا العلماء المجتهدين من بناء الصرح الفقهي، لأن السنة بيّنت لهم مجمل القرآن، وفصلت لهم قضايا التشريع، لكنهم مع ذلك قد اختلفوا اختلافاً ليس في حجية السنة إجمالاً، لكن في ترتيب درجات الاستدلال من النصوص السنية، فكان الإمام مالك يعتمد بعد الحديث الصحيح إجماع أهل المدينة، ويضغه في رتبة أخبار الآحاد، وكان الإمام الشافعي يعتبر المسند ولو مفرداً أقوى من المرسل ولو عن جماعة، ثم إنّ أبا حنيفة تشدد في التثبت في الرواية، وجعل في القياس أصلاً في اعتماد الأحكام، ثم إن الإمام أحمد بن حنبل كان يفضل الآثار على كل ماورد من قبيل الرأي والاجتهاد.

ولقد ظهرت آثار هذا التوجه المذهبي لكل من هؤلاء المجتهدين على آرائهم وأقوالهم في الفروع الفقهية، لكنهم جميعاً التزموا بالضوابط الأساس التي تجعل كل ما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام ، من قول أوفعل مصدراً من مصادر التشريع الإلهي.

لمحة عن مجالات الخلاف وضوابطه · الصفحة ٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

لمحة عن مجالات الخلاف وضوابطهص ٦