وقد اشتكى كثرة من المحققين من ذلك حتى قال الشاطبي: «وقد زاد هذا الأمر على قدر الكفاية حتى صار الخلاف في المسائل معدوداً فى حجج الإباحة، ووقع فيما تقدم وتأخر من الزمان الاعتماد فى جواز الفعل على كونه مختلفاً فيه بين أهل العلم، لا بمعنى مراعاة الخلاف فإن له نظراً آخر... فربما وقع الإفتاء فى المسألة بالمنع فيقال: لم تمنع والمسألة مختلفٌ فيها، فيجعل الخلاف حجةً فى الجواز لمجرد كونها مختلفاً فيها، لا لدليلٍ يدل على صحة مذهب الجواز، ولا لتقليد من هو أولى بالتقليد من القائل بالمنع، وهو عين الخطأ على الشريعة، حيث جعل ما ليس بمعتمد معتمداً، وما ليس بحجةٍ حجةً، حكى الخطابي فى مسألة البِتْع(1)[31]) المذكور فى الحديث عن بعض الناس أنه قال: إن الناس لما اختلفوا فى الأشربة وأجمعوا على تحريم خمر العنب، واختلفوا فيما سواه، حرمنا ما اجتمعوا وأبحنا ما سواه. قال: وهذا خطأٌ فاحشٌ وقد أمر الله تعالى المتنازعين أن يردوا ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول، قال: ولو لزم ما ذهب إليه هذا القائل للزم مثله فى الربا والصرف ونكاح المتعة لأن الأمة قد اختلفت فيها، قال: وليس الاختلاف حجة، وبيان السنة حجة على المختلفين من الأولين والآخرين، هذا مختصر ما قال، والقائل بهذا... قد أخذ القول وسيلة إلى اتباع هواه لا وسيلة إلى تقواه، وذلك أبعد له من أن يكون ممتثلاً لأمر الشارع وأقرب إلى أن يكون ممن اتخذ إلهه هواه...» (2)[32]).
(1) 31]) أخرج البخاري عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ رَضِي اللَّه عَنْه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ فَسَأَلَهُ عَنْ أَشْرِبَةٍ تُصْنَعُ بِهَا فَقَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ الْبِتْعُ وَالْمِزْرُ، فَقُلْتُ لأَبِي بُرْدَةَ: مَا الْبِتْعُ؟ قَالَ نَبِيذُ الْعَسَلِ، وَالْمِزْرُ نَبِيذُ الشَّعِيرِ، فَقَالَ: «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ».
(2) 32]) الموافقات، 4/141.