فهم(1)[18]) لم يجمعوا على معيارٍ محددٍ في الإنكار لفظياً، حيث اختلفت عباراتهم فيه.. ونلحظ أنه كلما تأخر عهد العالم كان أشد احترازاً في ضبط القاعدة، وهو يثبت ما تقدم من أن الوضع البشري يعتريه القصور في التعبير عن القاعدة، وعلى الرغم من ذلك فإن حاصل المذاهب السابقة يكاد يكون واحداً يتلخص في أن معيار الإنكار هو مذهب المحتسَب عليه، إلا أن يكون مما ضعف الخلاف فيه.
ومما يدل على عدم الأخذ بإطلاق قاعدة: (لا إنكار في مسائل الخلاف)، وعلى عدم اعتبار الخلاف حكماً، أنه يقف حائلاً بين هذا الرأي الذي يجعل للمذهب اعتباراً في الإنكار وبين صدق تطبيقه، أن كل خلافٍ مروي في كتب الفقه لا يعد خلافاً، فهناك عدد لا يستهان به من مسائل الخلاف إنما يُنقل فيه قول المخالف احتمالاً… أي سُمِع عن فلان أنه قاله نقلاً عن صاحبه، وبينهما قرون، أو نقله أحدهم في كتابٍ عن صاحبه، والسند منقطع أو معضل بينهما، وقد يكون الانقطاع لأجيال، أو تقَوَّله عليه لغلٍ شخصي… وقد يورده أحدهم تخريجاً(2)[19])، أو احتمالاً، دون تأكدٍ من صحة الخلاف عنه، ولا وسيلة للتثبت من قوله فيه، فلماذا نجعل المسألة متعلقةً بخلاف فلان، وليس عندنا ما يدل على أنه خالف حقيقة.
(1) 18]) وهذا بالنظر إلى كلام الأئمة السابق ذكرهم، أما من حيث الدليل الشرعي القائم الخالي من المعارض والمقاوم فسيأتي في الفصل التالي، إن شاء الله تعالى.
(2) 19]) صرح أحمد ولي الله الدهلوي، من المحققين، أن أكثر الخلاف بين أبي حنيفة والشافعي مُخَرَّجٌ على كلام الأئمة، وأنه لا تصح به رواية عن أبي حنيفة وصاحبيه، انظر حجة الله البالغة، 1/459.