تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

- وقسمٌ تنتمي إليه معظم أحكام الفقه الفرعية، وقليل من الجزئيات العقدية الموغلة في الفرعية، فكانت محلاً لاختلاف الأنظار بحسب مبلغ علم كل ناظر، وبحسب جهده في إعمال أدوات الاستنباط في كل مسألة... وهذه حكمة العليم الخبير، وعلى هذا فاختلاف الأنظار لا ضير فيه إذا لم يكن مبنياً على الهوى والتشهي، وكان المراد منه تحري الصواب قدر الإمكان، وهذا دالٌ على مدى قصد الشارع لاجتهاد من يملكون أدوات الاجتهاد في الاستنباط، وإن وقع الاختلاف بينهم(1)[38]).

والاجتهاد لا يكمن فقط في إدراك الحكم الشرعي في الواقعة الجزئية، والاستسلام لحكم الله فيها بعد معرفته، بل في الاجتهاد أيضاً في تنزيلها على الواقع وفق الشرع، وفي هذا الباب قد تتفاوت الأنظار، وتختلف الموازنات، وباستصطحاب الأسس السابقة يتم التعامل في المختلف فيه.

رابعاً: اختلاف(2)

(1) 38]) انظر الموسوعة الفقهية، 1/ 19-20، 33.

(2) 39]) الاختلاف لغة: مصدر اختلف. والاختلاف نقيض الاتفاق، واختلف الأمران لم يتفقا، ومنه: الحديث: «سَوُّوا صُفوفَكم، ولا تَخْتَلِفوا فتَخْتَلِفَ قلوبُكم» (مسلم،1/323) أَي إِذا تقدَّم بعضُهم على بعض في الصُّفوف تأَثَّرَت قُلوبهم ونشأَ بينهم الخُلْفُ، وفي الحديث الآخر:«لتُسَوُّنَّ صُفوفَكم أَو ليُخالِفَنَّ اللَّهُ بين وُجُوهِكُم» (البخاري، 1/253)؛ يريد أَنَّ كلاًّ منهم يَصْرِفُ وجهَه عن الآخر ويُوقَعُ بينهم التباغُضُ، فإِنَّ إِقْبالَ الوجْهِ على الوجهِ من أَثَرِ المَوَدَّةِ والأُلْفَةِ (لسان العرب،9/83، النهاية في غريب الحديث،2/67).. والخلاف اصطلاحاً: منازعة تجري بين المتعارضين لتحقيق حقٍ أو لإبطال باطل، ولما كان الاختلاف بين الناس في القول يقتضي التنازع استعير ذلك للمنازعة والمجادلة (التعريفات، ص75؛ التعاريف، ص322).

إلا أننا نجد أن استعمال «خالف» يكون في حالة العصيان الواقع عن قصد، كمن يخالف الأوامر، وعليه قول تعالى: ((فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ)) ( النور:63).

واستعمال «اختلف» يكون في حالة المغايرة في الفهم الواقع من تفاوت وجهات النظر، وعليه قوله تعالى: ((وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيّنَ لَهُمُ الَّذِى اخْتَلَفُواْ فِيهِ)) (النحل:64) ولم يقل: خالفوا فيه. وقوله تعالى: (( هَدَى اللَّهُ الَّذِينَ ءامَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقّ بِإِذْنِهِ)) (البقرة:213) فجعله اختلافاً لا مخالفة، انظر موقف الأمة من اختلاف الأئمة، ص16).. وقد أَصَّل أبو البقاء لذلك من الناحية المصطلحية فبين أن ثمة فوارق اصطلاحية بين الخلاف والاختلاف: فالاختلاف هو أن يكون الطريق مختلفاً، والمقصود واحداً؛ والخلاف أن يكون كلاهما مختلفاً. والاختلاف ما يستند إلى دليل؛ والخلاف ما لا يستند إلى دليل... ولو حكم القاضي بالخلاف ورفع لغيره يجوز فسخه، بخلاف الاختلاف، فإن الخلاف هو ما وقع في محل لا يجوز فيه الاجتهاد، وهو ما كان مخالفاً للكتاب والسنة والإجماع (الكليات، ص62).

لا إنكار في مسائل الخلاف · الصفحة ٤٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

لا إنكار في مسائل الخلافص ٤٠