تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3- بل من العلماء من أنكر أن يكون (الاختلاف رحمة) مطلقاً، ومنهم بعض من نُسِب إليه القول المذكور؛ فقد رد الإمام مالك وغيره على ذلك فيما ذكره الشاطبي في قوله: «وأما قول من قال إن اختلافهم رحمة وسعة فقد روى ابن وهب عن مالك أنه قال: ليس في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سعة، وإنما الحق في واحد. قيل له: فمن يقول: إن كل مجتهد مصيب. فقال: هذا لا يكون قولان مختلفان صوابين»(1)[53]). ولو سُلِّم صحة هذا القول فيحتمل أن يكون من جهة فتح باب الاجتهاد، أي أن المجتهد مصيبٌ بسلوكه طريق الاجتهاد، فهو حثٌ على الاجتهاد، وعدم الاتكال على الغير، وأن مسائل الخلاف قد جعل الله سبحانه وتعالى فيها سعةً بتوسعة مجال الاجتهاد لا غير ذلك. قال القاضي إسماعيل: «إنما التوسعة في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم توسعةٌ في اجتهاد الرأي، فأما أن يكون توسعة أن يقول الإنسان بقول واحد منهم من غير أن يكون الحق عنده فيه فلا، ولكن اختلافهم يدل على أنهم اجتهدوا فاختلفوا»، قال ابن عبد البر: «كلام إسماعيل هذا حسن جدا»(2)[54]).

4- ومن محامل الكلام السابق، أن المراد به مسائل الاجتهاد في العبادات المحضة أو غير المحضة مما لم يظهر الدليل فيها بوضوح، أو تجاذبته الأدلة ومقاصد الشريعة الشريفة، وهذا ما يدل عليه عمل من قعد القاعدتين الواردتين في هذا المبحث، وفي ذلك يقول أبو مزاحم الخاقاني جامعاً بين الأمرين:

وأخذي باختلافهم مباحٌ لتوسيع الإله على الأنامِ

ولست مخالفاً إن صح لي عن رسول الله قولٌ بالكلامِ

الاجتهاد من مقاصد الشريعة:

(1) 53]) هكذا! ولعل (صوابين) منصوبة بفعل مقدر، وتقدير الجملة: هذا لا يكون. لا يكون قولان مختلفان صوابين .

(2) 54]) جامع بيان العلم وفضله،2/ 304؛ ونقله صاحب الموافقات، 4/ 129 .

لا إنكار في مسائل الخلاف · الصفحة ١٥٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

لا إنكار في مسائل الخلافص ١٥٢