ولم يشترط أهل العلم، للتفريق بين المسائل الاجتهادية والمسائل الخلافية، أن تكون المعرفة بكون المنكر منكراً معرفةً قطعية، بل قد يكون في اعتبار كونه منكراً خلافٌ، ولكنه خلافٌ ضعيف، وردَّ المحققون على من أبى إلا أن تكون المعرفة بكون المنكر منكراً قطعية، ومن ذلك قول الشوكاني: «وأما قول الجلال(1)[24]) ها هنا: إن المنكر هو ما كان دليله قطعياً بحيث لا خلاف فيه فمن ساقط الكلام وزائفه؛ فإن إنكار المنكر لو كان مقيداً بهذا القيد لبطل هذا الباب وانسد بالمرة، وفعل من شاء ما شاء؛ إذ لا محرم من محرمات الشريعة في الغالب إلا وفيه قولٌ لقائل، أو شبهةٌ من الشبه، وسيأتي في هذا الكتاب(2)[25]) في السير أنه لا إنكار في مختلَفٍ فيه… وهو أيضاً باطل من القول، وإن كان أقل مفسدة من هذا الكلام»(3)[26]).
على أنه ينبغي التنبيه إلى أن إيجاد ضابطٍ مانعٍ جامعٍ يحجز بين الأنواع المختلفة لمسائل الاجتهاد ودرجات بيان الحجة العلمية ومتى ترتفع حدة الإنكار والتثريب فيها أمرٌ عسير الضبط(4)[27])، لكن المشترك فيها عدم التغيير باليد، وعدم التجريح والرمي بالبدعة أو الفسق أو النفاق أو نحو ذلك، ومثل هذا يُحتَرَزُ منه جداً لشيوع تساهل بعضهم فيه، خاصة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «... لَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ، وَمَنْ رَمَى مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهُوَ كَقَتْلِهِ»(5)[28])، كما قال: «لا يَرْمِي رَجُلٌ رَجُلاً بِالْفُسُوقِ وَلا يَرْمِيهِ بِالْكُفْرِ إِلا ارْتَدَّتْ عَلَيْهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ كَذَلِكَ»(6)[29]).
(1) 24]) يشير إلى الإمام الحسن الجلال في كتابه (ضوء النهار المشرق على صفحات الأزهار).
(2) 25]) يعني كتاب الأزهار في فقه الهادوية، والسيل الجرار حاشية عليه .
(3) 26]) السيل الجرار،3/ 81 .
(4) 27]) انظر مجموع فتاوى ابن تيمية،24/ 173 .
(5) 28]) البخاري، 5/ 2264 .
(6) 29]) البخاري، 5/ 2247 .