تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بلغني عن مولاي الشيخ - أدام الله تأييده - أنه قال: وقد ذكرت له أعرفه خبرا هو الذي هجا أبا القاسم علي بن الحسين المغربي، فذلك منه - أدام الله عزه - رائع لي، خوفا أن يستشر طبعي، وأن يتصورني بصورة من يضع الكفر موضع الشكر، وهو بتعريف التنكير أنفع لي عنده لجلالة قدره ودينه ونسكه، وأنا أطلعه طلعة ليعرف خفضه ورفعه وفراداه وجمعه.

كنت أدرس على أبي عبد الله بن خالويه - رحمه الله - وأختلف إلى دار أبي الحسين المغربي، ولما مات ابن خالويه سافرت إلى بغداد، ونزلت على أبي علي الفارسي، وكنت أختلف إلى علماء بغداد إلى: أبي سعيد السيرافي، وعلي بن عيسى الرماني، وأبي عبيد الله المرزباني، وأبي حفص الكتاني صاحب أبي بكر بن مجاهد وكتبت حديث رسول الله

صلى الله عليه وسلم ، وبلغت نفسي أغراضها جهدي والجهد عاذر، ثم سافرت منها إلى مصر ولقيت أبا الحسن المغربي، فألزمني إن لزمته لزوم الظل، وكنت منه مكان المثل في كثرة الإنصاف والحنو والتجافي، فقال لي سرا: «أنا أخاف همة أبي القاسم أن تنزو به إلى أن يوردنا وردا إلا صدر عنه، وإن كانت الأنفاس مما تحفظ وتكتب فاكتبها واحفظها وطالعني بها.» فقال لي يوما: ما نرضى بالخمول الذي نحن فيه، قلت: وأي خمول هنا تأخذون من مولانا - خلد الله ملكه؟ في كل سنة ستة آلاف دينار، وأبوك من شيوخ الدولة وهو معظم مكرم. فقال: أريد أن تصار إلى أبوابنا الكتائب والمواكب والمقانب، ولا أرضى بأن يجري علينا، كالولدان والنسوان فأعدت ذلك على أبيه فقال: ما أخوفني أن يخضب أبو القاسم هذه من هذه، وقبض على لحيته وهامته، وعلم أبو القاسم بذلك، فصارت بيني وبينه وقفة.

وأنفذ إلي القائد أبو عبد الله الحسين بن جوهر، فشرفني بشريف خدمته، فرأيت الحاكم كلما قتل رئيسا أنفذ رأسه إليه، وقال: هذا عدوي وعدوك يا حسين، فقلت: من ير يوما ير به، والدهر لا يغتر به، وعلمت أنه كذا يفعل به، فاستأذنته في الحج فأذن، فخرجت في سنة سبع وتسعين، وحججت خمسة أعوام وعدت إلى مصر وقد قتله، فجاءني أولاده سرا يرومون الرجوع إليهم، فقلت لهم: خير ما لي ولكم الهرب، ولأبيكم ببغداد ودائع خمسمائة ألف دينار، فاهربوا وأهرب ففعلوا وفعلت، وبلغني قتلهم بدمشق وأنا بطرابلس فدخلت إلى أنطاكية وخرجت منها إلى ملطية، وبها المايسطرية خولة بنت سعد الدولة فأقمت عندها إلى أن ورد علي كتاب أبي القسم، فسرت إلى ميافارقين فكان يسر حسوا في ارتغاء قال لي يوما من الأيام: ما رأيتك، قلت: أعرضت حاجة؟ قال: لا أردت أن ألعنك، قلت: فالعني غائبا، قال: لا في وجهك أشفى، قلت: ولم؟ قال: لمخالفتك إياي فيما تعلم، وقلت له ونحن على أنس بيني وبينه لي حرمات ثلاث: البلدية، وتربية أبيه لي، وتربيتي لإخوته، قال: هذه حرم مهتكة البلدية نسب بين الجدران، وتربية أبي لك منة لنا عليك، وتربيتك لإخوتي بالخلع، والدنانير أردت أن أقول له: استرحت من حيث تعب الكرام، فخشيت جنون جنونه؛ لأنه كان جنونه مجنونا وأصح منه مجنون وأجن منه، لا يكون. وقد أنشد:

جنونك مجنون ولست بواجد

إذن طبيبا يداوي من جنون جنون

بل جن جنانه، ورقص شيطانه.

به جنة مجنونة غير أنها

إذا حصلت منه ألب وأعقل

وقال لي ليلة: أريد أن أجمع أوصاف الشمعة السبعة في بيت واحد. وليس يسنح لي ما أرضاه، فقلت: أنا أفعل من هذه الساعة، قال: أنت جذيلها المحكك وعذيقها المرجب، فأخذت القلم من دواته وكتبت بحضرته:

لقد أشبهتني شمعة في صبابتي

وفي هول ما ألقى وما أتوقع

نحول وحرق في فناء ووحدة

وتسهيد عين واصفرار وأدمع

فقال: كنت عملت هذا قبل هذا الوقت، فقلت: تمنعني سرعة الخاطر وتعطيني علم الغيب، وقلت: أنت ذاكر قول أبيك لي ولك، وللبتي الشاعر، ولمحسن الدمشقي، ونحن في الطارمة: اعملوا قطعة قطعة، فمن جود جعلت جائزته كتبها فيها، فقلت:

رسائل البلغاء · الصفحة ٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

رسائل البلغاءص ٨١